رُوِي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنَّ رجلًا نقَش على خاتمه مثل ختمه، وأخذ بذلك من بيت المال، فأمر به فضُرِب مائة، ثم في اليوم الثاني مائة، ثم في اليوم الثالث مائة.
وروي عن بعض أصحاب الإمام أحمد أنَّ من الجرائم ما يَبلُغ به القتل في مثل الجاسوس المسلِم إذا تجسس للعدوِّ على المسلمين، ومَن تكرَّر منه فعْل الجرائم كتكرار التلوُّط، أو اغتِيال النفوس لأخْذ المال ونحو ذلك، فيُعزَّر بالقتل، والمُفسِد الذي لم ينقَطِع شرُّه إلا بقتْله فإنَّه يُقتَل؛ لما رواه مسلم في"صحيحه"عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (( مَن أتاكم وأمرُكم على رجلٍ واحدٍ يُرِيد أنْ يشقَّ عصاكم ويُفرِّق جماعتكم، فاقتلوه ) ).
وجاء في حديثٍ آخَر: (( مَن أراد أنْ يُفرِّق بين هذه الأمَّة وهي جميعٌ، فاضرِبوه بالسيف كائنًا مَن كان ) )، وآيات وأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ لا نُطِيل بذكرها في هذا المختصر.
واعلَمْ أنَّه يجب أنْ يعرف أنَّ ولاية أمْر الناس من أعظم واجِبات الدين؛ فإنَّ بني آدم لا تتمُّ مصلحتهم إلا بالاجتِماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بُدَّ لهم عند الاجتماع من رئيسٍ، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إذا خرج ثلاثةٌ في سفر فليُؤمِّروا عليهم أحدَهم ) )؛ رواه أبو داود، فأَوْجَبَ - صلى الله عليه وسلم - تَأمِيرَ الواحد في الاجتِماع القليل العارض في السفر؛ تنبيهًا على سائر أنواع الاجتماع.
ويدلُّ على ذلك أيضًا أنَّه أوجَبَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمُّ ذلك إلا بقوَّة وإمارة؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (( السلطان ظِلُّ الله في الأرض ) )، وقال الإمام أحمد وغيرُه: لو كانَتْ لنا دعوة مُجابَة لدعونا بها للسلطان، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله يَرضَى لكم ثلاثًا: أنْ تَعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأنْ تعتَصِموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، وأنْ تناصحوا مَن ولاَّه الله أمرَكم ) )؛ رواه مسلم في"صحيحه".
فالواجب اتِّخاذ الإمارة، والحكْم بالعدل دينًا وقربة، وينبغي لِمَن ولي ولايةً أنْ يتَّخِذ عندَه أهل مشورةٍ من أهل الفقه والصِّيانة والعِفَّة والأدب، يستَخرِج منهم الرأي في كلِّ أمرٍ، ولا سيَّما في الحوادث المُشكلة التي تقع فيما بين الأهالي، واختلاف العادة والعُرف في البلدان، ويتَّبِع أقوال العُلَماء في ذلك؛ ولهذا قالت