كذلك ويُعادُونه؛ لأنَّ العادل منهم ما يحبُّ أنْ يكون مقهورًا لنَظِيره، وغير العادل منهم يُؤثِر أن يكون هو القاهر، ثم إنَّه مع هذا لا بُدَّ لهم في العقل والدين من أنْ يكون بعضُهم فوقَ بعض، كما أنَّ الجسد لا يَصلُح إلا برأس؛ قال الله - تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] .
فإنِ انفَرَد السُّلطان عن الدِّين أو الدِّين عن السلطان، فسَدَتْ أحوالُ الناس، وإنما تتميَّز أهل طاعَة الله عن معصيته بالنيَّة والعمل الصالح؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله لا يَنظُر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما يَنظُر إلى قلوبكم وأعمالكم ) )، فمَن ولي ولايةً يقصد بها طاعةَ الله وإقامةَ ما يمكنه من الواجبات، واجتناب ما يمكنه من المحرَّمات، ويتبع سبيل نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وسبيل خلفائه وأصحابه ومَن سلَك سبيلهم، ويتتبَّع أقوال الأئمَّة المجتَهِدين، ويَفعَل ما يَقدِر عليه من الخير - لم يُؤاخَذ بما يعجز عنه، وسيأتي تَوضِيح ذلك في محاله - إنْ شاء الله تعالى.
وقد آنَ لنا أنْ نشرع في المقصود، مَعتَمِدين فيه على الملك المعبود، فلنُقدِّم قبل ذلك مقدمة في مسائل شتَّى تشتَمِل على ثمانية فصول: