ومما تقدم يظهر لك أيضًا بطلان احتجاجهم لطواغيتهم وعبيدهم، بحديث"البطاقة"وبحديث (أخرجوا - من النار - من كان في قلبه حبة خردل من إيمان) وكذا حديث (الجهنميين الذين يخرجهم الله عز وجل من النار دون أن يعملوا خيرًا قط) ونحوها. فقد عرفت أن طريقة أهل العلم في ذلك ربط الأحاديث ببعضها، والجمع بين الأخبار ما أمكن إلى ذلك سبيلًا، ودفع ما يتوهم من تعارضها بحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص، والمتشابه على المحكم، وهكذا ..
وأن الفرح بشيء من ذلك وحده والانطلاق به وبناء القواعد والجبال عليه وحده، دون فهمه بربطه مع غيره هي طريقة أهل الأهواء - ومنهم القوم الذين نحن بصددهم أعني المرجئة - حيث يطيرون بهذه الأحاديث كل مطير.
يقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر في الدرر السنية: (إن القرآن فيه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات، فيرد المتشابه إلى المحكم، ولا يضرب كتاب الله بعضه ببعض [1] ،
(1) كما احتج عليّ بعضهم - وهو مع الأسف ممن ينتسبون إلى طلب العلم - بقوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} على إمكان أن يشرك الإنسان بالله الشرك الأكبر ومع هذا لا يفارق الإيمان ويبقى مصيره مصير الموحدين، وسماه (كافرًا مليًّا) ، وهذا مما لم يسبقه إليه أحد، وإنما الصواب المستعمل في هذه اللفظة عند أهل العلم قولهم: (فاسق مليّ) أي أنه عاص لا يخرج بعصيانه عن ملة الإسلام، أما الكافر فلا ينسب إلا إلى ملّته الكفريّة .. وأما القول في تفسير الآية، فهو واضح معروف في متناول اليد في أي تفسير من تفاسير أهل السنة، وخلاصة ما قيل فيها إن حملت على الشرك الأكبر لا يخرج عن الآتي:
-إما أن يراد بها المشركون من عبدة الأوثان الذين يؤمنون بالربوبية: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ويشركون في العبادة.
-أو يراد مشركوا أهل الكتاب، آمنوا بالله وكفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
-أو يراد المنافقون، آمنوا باللسان وكفروا بقلوبهم.
وجميع أنواع الإيمان هذه بالاتفاق غير منجية من النار وأصحابها بالاتفاق ليس لهم مصير الموحدين.
* ولا يجوز أن يحمل الإيمان المذكور بالآية على إيمان المسلمين المنجي من النار، إلا أن يراد بالشرك المقرون معه، الشرك الأصغر .. وهذه في الحقيقة من المسلّمات البدهيات عند صغار الطلبة، ولكن الخصومة أحيانًا تعمي وتصم ..