وكذلك السنة: فيها محكم ومتشابه فيرد متشابهها إلى المحكم، ولا يضرب بعضها ببعض، فكلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضًا، والسنة توافق القرآن ولا تناقضه، وهذا أصل عظيم يجب مراعاته، ومن أهمله فقد وقع في أمر عظيم وهو لا يدري) اهـ من جزء مختصرات الردود.
وقد فصل الشاطبي رحمه الله تعالى ذلك قبله أحسن تفصيل فقال:(إن ذوي الاجتهاد لا يقتصرون على التمسك بالعام حتى يبحثون في مخصصه وعلى المطلق هل له مقيّد أم لا؟
فالعام مع خاصه هو الدليل، فإن فقد الخاص، صار العام - مع إرادة الخصوص فيه - من قبيل المتشابه، وصار ارتفاعه - أي الخاص - زيفًا وانحرافًا عن الصواب.
ولأجل ذلك عدت المعتزلة من أهل الزيغ حيث اتبعوا نحو قوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] وتركوا مبينه ..
وكذلك الخوارج حيث اتبعوا قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} [يوسف: 40] وتركوا مبينه: {يحكم به ذوا عدل منكم} ، وقوله: {فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها} .
واتبع الجبرية قوله: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] ، وتركوا بيانه، وهو قوله: {جزاء بما كانوا يكسبون} [التوبة: 82] .
وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظر فيما وراءها، ولو جمعوا بين ذلك ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل، لوصلوا إلى المقصود. فإذا ثبت هذا فالبيان مقترن بالمبين، فإذا أخذ المبين من غير بيان صار متشابهًا، وليس المتشابه في نفسه، بل الزائغون أدخلوا فيه التشابه على أنفسهم فضلوا عن الصراط المستقيم) اهـ مختصرًا.
قلت: وكذلك أفراخ المرجئة، يتّبعون أمثال تلك الأخبار، ويتمسكون بها ليرقعوا بها دين أهل الشرك والضلال من طواغيت الحكام وعبيدهم وأنصارهم وأشياعهم، ويتركون مبيّنها مما تقدم من أن المراد تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد، والموت على ذلك، بل والإتيان من الأعمال بما لا يصير المرء مسلمًا إلا به.