فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 134

شبهة(ولا نكفر مسلمًا بذنب ما لم يستحله)

وهكذا، فإذا كنت قد فهمت ما تقدم كله، فلا بد أنه قد ظهر لك أن قولهم: (ولا نكفر مسلمًا بذنب ما لم يستحله) ليس على إطلاقه، بل لا بد أن يُقيّد هذا بقيد، فنقول: (لا نكفر مسلمًا بذنب غير مكفر ما لم يستحله) .

بدليل أن الاستهزاء بالله ودينه ذنب، وسب الله ورسوله ذنب، والسجود للصنم ذنب، ورمي المصحف في القذر ذنب، وقتل الأنبياء ذنب، والتشريع مع الله ذنب، ومع هذا فقد علمت أن فاعل ذلك كله كافر استحله أم لم يستحله .. فالذنوب منها ما هو من المكفرات، ومنها ما هو معاص مجردة لا تخرج من دائرة الإسلام، فلا يقال للأول عند التكفير استحل أو لم يستحل، بخلاف الثاني فلا بد من ذلك لأن الأصل في فاعلها أنه فاسق مِلّي وليس بكافر ..

ثم هذه المقولة ليست قرآنًا منزّلًا حتى يعارض بها كلام الله وكلام الرسول كما يفعل جهال مرجئة العصر، بل الحق ضبطها وتقييدها بكلام الله وكلام الرسول.

وإن كان بعضهم يرفعها ويجعلها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لا يصح وهو حديث موضوع لا أصل له كما ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد (4/ 42) .

-ومن هذا القبيل ما يروى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل .. الحديث .. ) رواه أبو داود وأبو يعلى وهو حديث لا يصح، يرويه عن أنس يزيد الرقاشي، قال أبو حاتم: أكثر الرواية عن أنس بما فيه نظر وفي حديثه ضعف. وقال ابن حبان: غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة حتى كان يقلب كلام الحسن فيجعله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب [1] .

(1) قال الشيخ عبد اللطيف في (مصباح الظلام) ص (166) : (الصحيح وقفه وليس من المرفوع، والجملة الأخيرة فيه وهي قوله: والجهاد ماض منذ بعثني الله، فهي تروى) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت