وبعد ...
فلم يكن مرادنا هنا حصر جميع شبهات مرجئة العصر فإنها لا تنتهي، إذ القوم قد ملئوا إلى مشاشتهم شبهًا، ولا يزال الشيطان يوحي إليهم زخرف القول غرورًا ..
شَبهٌ تهافت كالزجاج تخالها حقًا وكل كاسرٌ مكسور
وإنما تعرضنا في هذه الورقات لأشهر ما يطرحه سفهاؤهم في هذا البلد، مما هو متعلق أو قريب من أصل الموضوع، بيانًا وتنبيهًا لطلبة الحق السائرين على الدرب ..
وأختم هذا بأن أذكر نفسي وأذكرهم بإشارات وعلامات يهتدي بها الساري في إدلاجته وسط فتن وأهواء وظلمات متشابكة .. ذكرى .. (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) .
* أولًا: إياك والهوى ..
يقول ابن دقيق العيد في الأمور المهلكة التي تُدخل الآفة: (أحدها: الهوى، وهو شرّها، وهو في تاريخ المتأخرين كثير) اهـ.
فعلى طالب الحق أن يتجرّد لطلب الحق وألا يتبع الهوى ..
قال تعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص: 26] .
فإن الهوى طاغوت من الطواغيت التي يتابعها أكثر الناس .. ولن تُمسّك بالعروة الوثقى حق التمسك وتلحق بالدرب، حتى تستسلم لله ولحكمه وحده استسلامًا مطلقًا وتكفر بكل الطواغيت .. ومن ذلك طاغوت الهوى هذا .. قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا} [الفرقان: 43، 44] .
وقال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [الجاثية: 23] .
فاحذر من هذا الطاغوت واجتنبه كما تجتنب الطواغيت الأخرى لتحقق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد تحقيقًا كاملًا ..