هذا وقد رأيت لبعض من ختم الله على سمعه وبصره وجعله أضل من الأنعام بإعراضه وانشغاله عن تعلم أصل دينه وتوحيده بالحياة الدنيا وزخرفها، فرية وكلامًا أتنزه عن الإطالة فيه، مفاده أن"الفاروق رضي الله عنه لم يحكم بما أنزل الله يوم عطل العمل بحد السرقة في عام الرمادة".
فأقول كما قال بعض أهل العلم: إن وقوف المؤمن العارف بدين الله على هذه الضلالات والجهالات المركبة، فيه تنبيه له على نعمة الله عليه، وحث على شكر نعمة التوحيد والإسلام والفهم في دين الله، قال تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا} [البقرة: 269] ، قال بعض السلف: من أعطي القرآن ورأى أن أحدًا فوقه فما عرف نعمة الله عليه.
ثم أقول بإيجاز: قد فصلنا لك فيما تقدم أن الحكم بغير ما انزل الله يطلق على معنيين: أحدهما تشريعي استبدالي كفري، والآخر من الجور في الحكم والقضاء للهوى أو الشهوة دونما استحلال.
وبيان أن فعل عمر الفاروق لا يمت إلى كلا النوعين بصلة، والخوض في ذلك وتفصيله هو في الحقيقة مضيعة للوقت، بل هو استخفاف بالقارئ واستصغار لعقله بمخاطبته بما هو من قبيل تبيين البيّن وتوضيح الواضح فهذا لا يكون إلا مع السفهاء ..
أما فعله رضي الله عنه في عام الرمادة فهو اجتهاد محض مصيب فيه يؤجر عليه أجرين إن شاء الله .. وهو قطعًا وبلا شك من الحكم بما أنزل الله وليس بخارج عنه بحال، إذ هو إعمال لمقاصد الشريعة التي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم بها وأنزل الكتاب ووضعت حدود الشريعة من أجل تحقيقها وهي حفظ مصالح الناس الأساسية الشرعية وتحصيل أعظمها ودرء المفاسد عنها ..
وهذه المصالح الشرعية مضبوطة معلومة باستقراء نصوص الشريعة وليست هي تبع للأهواء والاستحسانات كما يتوهمه كثير من الرويبضة السفهاء ..