فمنها ما هو ضروري ومنها ما هو حاجي وآخر تحسيني تكميلي .. اما الضروريات فهي ست:"الدين والنفس والعقل والنسب والعرض والمال"وهي أهم المصالح على الإطلاق، وأعلاها وأجلها هو الدين (التوحيد) فإذا ما تعارضت هذه الضروريات أو أحدها مع مصلحة حاجية أو تكميلية قدمت الضرورية بلا خلاف ..
أما إذا تعارضت مصلحتان ضروريتان فإن التقديم يكون للأهم والأعظم منهما، من باب تحصيل أعظم المصلحتين المتعارضتين بتفويت أدناهما .. أو درء أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ..
وهذا باب عظيم من أبواب الفقه، وهو من أعظم مقاصد شريعة الله وحكمها وقواعدها، ومن وفق إلى فهمه ومعرفته فقد هدي إلى معرفة كثير من أسرار الشريعة وحكمها ..
وفهم هذا الباب وتطبيقه في الواقع، هو دون شك من أصول الشريعة ومن الحكم بما أنزل الله .. ولم يكن اجتهاد عمر رضوان الله تعالى عليه في عام الرمادة إلا من هذا .. فقد قدم مصلحة النفوس وحفظها على مصلحة المال وحفظها عندما تعارضتا، فقد كان الناس في مخمصة عظيمة والضرورات تبيح المحظورات .. فكان أكل المال المسروق كأكل الميتة في تلك الظروف .. يباح، بل يجب على قول طائفة من أهل العلم إذا تحقق الهلاك، وتاركه في مثل ذلك عاص لله قاتل لنفسه كما يقول ابن حزم، واحتج بقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] ، قال: (وهو عموم لكل ما اقتضاه لفظه) اهـ [1] .
(1) المحلى في (حد السرقة) .