فليس المراد أهل القبلة الذين يصلون عمومًا وإن كانوا مرتدين من أبواب أخرى، بل المراد المسلمين الموحدين منهم المجتنبين للنواقض، بدليل أن الصحابة كفّروا مانعي الزكاة، ومن السلف من كفّر تارك صيام رمضان وتارك الحج كما سيأتي .. وكذلك ليس المراد أن الصلاة وحدها تعصم من الكفر وإن أشرك مع الله وعبد غير الله، فإن الصلاة لا تقبل بدون التوحيد الذي هو أصل الإيمان وشرطه .. وسيأتي تفصيل هذا أيضًا. (فأهل القبلة) هم الموحدون المجتنبون لنواقض الإسلام (والمراد من النهي عن تكفيرهم) أن لا يكفّروا بمطلق الذنوب التي لا يكفر مرتكبها، فإنه لا يكفرهم بذلك إلا الخوارج ومن سار على نهجهم .. ولذا قال شارح الطحاوية ص (316) : (يشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب) .
وقال ص (317) : (ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدًا بذنب. بل يقال:(لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج. وفرق بين النفي العام، ونفي العموم، والواجب هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب ولهذا والله أعلم - قيّده - الشيخ رحمه الله بقوله ما لم يستحله، وفي قوله: ما لم يستحله، إشارة إلى مراده من هذا النفي لكل ذنب من الذنوب العملية لا العلمية) اهـ.
قلت: المراد باصطلاح الذنوب العملية عندهم الذنوب غير المكفرة، كما هو ظاهر من أول كلامه. أما الأعمال مطلقًا، فقد علمت أن فيها تفصيلًا وسيأتي المزيد من التفصيل ..
ومن هذا يظهر لك بطلان احتجاجهم للطواغيت بتلك المقولة، وبطلان زعمهم الإجماع على لفظها المطلق هذا، وفهمهم الفاسد لها ..
وإليك قول إمام أهل السنة والجماعة في ذلك ..
قال الخلال: أنبأنا محمد بن هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال: (حضرتُ رجلًا سأل أبا عبد الله فقال: يا أبا عبد الله، إجماع المسلمين على الإيمان بالقدر خيره وشره؟ قال أبو عبد الله: نعم.