ويقول الأوزاعي: كان يحيى وقتادة يقولان: (ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على هذه الأمة من الإرجاء) [1] .
ولا شك أن الإرجاء كان ردة فعل على فتنة الخروج على ولاة الجور وما ترتب عليه من سجن وقتل وابتلاءات، إذ أول ما ظهر الإرجاء وانتشر بعد هزيمة عبد الرحمن بن الأشعث [2] ولكنها ردة فعل غير منضبطة بضوابط الشريعة. كحال مرجئة العصر في تخبطاتهم التي غالبها ردّة فعل على غلاة المكفرة في هذا الزمان .. بل وعلى أهل الحق المكفرين لمن كفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالدليل .. تمامًا كمداهناتهم وركونهم للطغاة الحاكمين، فهي في الغالب ردة فعل لتنكيل هؤلاء الطغاة بأهل التوحيد وسجنهم وتعذيبهم ..
وطالب الحق لا تتحكم فيه ردود الفعل العكسية هذه، بل يضع نصب عينيه حديث المصطفى صلوات الله عليه في صفة الطائفة الظاهرة المنصورة: (لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم) فلا يتضرر أو ينحرف أو يتأثر بالمفرِطين ولا بالمفرِِّّطين .. بل لا يزال قائمًا ثابتًا على المحجة البيضاء التي تركه عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى يلقى الله ..
(1) المرجع نفسه (1/ 318) .
(2) "ذكر الذهبي عن قتادة، قال: إنما حدث هذا الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث". (5/ 275) سير أعلام النبلاء وابن الأشعث هذا خرج على ولاة زمانه ومعه طائفة من أهل العلم ووقعت بينهم وبين الحجاج وقائع كثيرة انهزم في أكثرها الحجاج إلى أن جاءت وقعة الجماجم سنة 82 أو 83هـ في العراق حيث كان الغلب والظفر للحجاج .. وعلى أثر هذه الهزيمة ظهر الإرجاء ..