وكذلك لو قال إن إبليس وفرعون وأبا جهل مؤمنون، لما اختلف أحد من أهل الإسلام في أن قائل هذا محكوم له بالكفر، وهو يريد أنهم مؤمنون بدين الكفر .."اهـ."
قلت: فصح أننا كفرناه بمجرد قوله وكلامه الكفري ولا دخل لنا بمغيب اعتقاده .. وهكذا كل من أظهر قولًا أو عملًا كفريًا كفرناه بمحض ذلك القول أو العمل إذ مغيب اعتقاده لا يعلمه إلا الله عز وجل .. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إني لم أبعث لأشق عن قلوب الناس) [1] فالمدّعي خلاف هذا مدع علم الغيب، ومدّعي علم الغيب لا شك كاذب.
"وقد شهد الله تعالى بأن أهل الكتاب يعرفون الحق ويكتمونه، ويعرفون أن الله تعالى حق وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، ويظهرون بألسنتهم خلاف ذلك، وما سماهم الله عز وجل قط كفارًا إلا بما ظهر منهم بألسنتهم وأفعالهم" [2] .
وقال تعالى: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا} [النمل: 13، 14] .
قال ابن حزم: (وهذا أيضًا نص جلي لا يحتمل تأويلًا على أن الكفار جحدوا بألسنتهم الآيات التي أتى بها الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - واستيقنوا بقلوبهم أنها حق) [3] .
وقال رحمه الله: (واحتج بعضهم في هذا المكان بقول الأخطل النصراني لعنه الله إذ يقول:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا [4]
(1) رواه البخاري في المغازي (40، 60) .
(2) الفصل (3/ 259) .
(3) الفصل (3/ 243) .
(4) قال في الإمتاع والمؤانسة: (البيت موضوع على الأخطل، فليس هو في نسخ ديوانه، وإنما هو لابن ضمضام ولفظه: إن البيان لفي الفؤاد ... الخ.