وهذا صريح في الآيات وليس فيها ولا في الأخبار أنهم أصروا على استهزائهم واستمروا فيه، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه دون أن يقتلهم، بل إن في الآثار المروية في تفسير هذه الآيات كما هو عند الطبري وابن أبي حاتم، أن بعضهم كان يعتذر وهو متعلق بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة .. إظهارًا للتوبة والندم والرجوع ..
-وأما الذي جوّر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال إنه لم يعدل ولا أراد بقسمته وجه الله .. فلا شك أنه مرتد - لأن هذا طعن في الرسالة المستلزمة للأمانة - وهذا ما فهمه خالد وعمر رضي الله عنهما مباشرة فاستأذنا النبي صلى الله عليه وسلم بقتله كما في روايات الحديث ..
ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم أناط علّة نهيه عن قتل هذا وأمثاله - في بعض الروايات - بمخافة (أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) ولم يعلقها بعصمة دمه، كما هو الشأن في المسلمين، فدل على أنه كان كافرًا بتلك المقولة، ولو كان مسلمًا لكان ذاك الوصف عديم التأثير وغير مناسب في عصمة دم المعصوم، ولا يجوز تعليل الحكم بوصف لا أثر له، بل لا بد من تعليله بالوصف الذي هو مناط الحكم، وهذا معلوم في كلام أهل العلم في باب (تنقيح المناط) .. وقد ذكر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص (355) .
أما عدم قتل النبي صلى الله عليه وسلم له ونهي عمر وخالد عن ذلك.
فالجواب عليه كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى في المحلى (225/ 11) :
(أن الله تعالى لم يكن أمر بعد بقتل من ارتد فلذلك لم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك نهى عن قتله، ثم أمره تعالى بعد ذلك بقتل من ارتد عن دينه، فنسخ تحريم قتلهم) .
وقال أيضًا فيه (11/ 411) : (أما القائل في قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم(هذه قسمة ما عدل فيها ولا أريد بها وجه الله تعالى) .