وإن ظهر يقينًا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك ، فليقف بهم عند حدهم ، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية .
سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته ، أو حكمه أو ملكه .
فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله } ، ثم قال مبينًا صفات من له الحكم { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ذَلِكُمُ الله رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنعام أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الشورى: 10 - 12 ] .
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية ، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور ، ويتوكل عليه ، وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما ، على غير مثال سابق ، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا ، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين } [ الأنعام: 143 ] الآية ، وأنه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير } وأنه { لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض } ، وأنه هو الذي { يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر } أي يضيقه على من يشاء وهو { بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم ، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل .
ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء: 59 ] فقوله فيها: { فَرُدُّوهُ إِلَى الله } كقوله في هذه { فَحُكْمُهُ إِلَى الله } .
وقد عجب نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قوله: { فَرُدُّوهُ إِلَى الله } من الذين يدعون الإيمان مع أنهم يريدون المحاكمة ، إلى من لم يتصف بصفات من له الحكم ، المعبر عنه في الآيات بالطاغوت ، وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت ، وذلك في قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا } [ النساء: 60 ] .
فالكفر بالطاغوت ، الذي صرح الله بأنه أمرهم به في هذه الآية ، شرط في الإيمان كما بينه تعالى في قوله: { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } [ البقرة: 256 ] .
فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى ، ومن لم يستمسك بها فهو مترد مع الهالكين .