عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق وقتال الخوارج بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة فإن النصوص دلت فيها بما دلت، والصحابة والتابعون اختلفوا فيها.
على أن من الفقهاء الأئمة من يرى أن أهل البغي الذين يجب قتالهم هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ، لا الخارجون عن طاعته. وآخرون يجعلون القسمين بغاة، وبين البغاة والتتار فرق بين. فأما الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فلا أعلم في وجوب قتالهم خلافًا [11] "."
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [12]
فإذا تقرّرت هذه القاعدة، فهؤلاء القوم المسئول عنهم عسكرهم مشتمل على قومٍ كفار من النصارى والمشركين، وعلى قومٍ منتسبين إلى الإسلام - وهم جمهور العسكر - ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم [13] ، ويعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم [14] وليس فيهم من يصلي إلا قليل جدًا، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة [15] ، والمسلم عندهم أعظم من غيره [16] ، وللصالحين من المسلمين عندهم قدر [17] ، وعندهم من الإسلام بعضه وهم متفاوتون فيه [18] ، لكن الذي عليه عامتهم والذي يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها، فإنهم أولًا يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه [19] ، كل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافرًا عدوًا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم [20] ، وكل من خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين [21] ، فلا يجاهدون الكفار، ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار، ولا ينهون أحد من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك [22] ، بل الظاهر من سيرتهم أن المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح أو المتطوع في المسلمين [23] ، والكافر عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين أو بمنزلة تارك التطوع [24] .
وكذلك أيضًا عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم، إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم، أي: لا يلتزمون تركها وإذا نهاهم عنها أطاعوه لكونه سلطانًا لا بمجرد الدين [25] ، وعامتهم لا يلتزمون أداء الواجبات، لا من الصلاة ولا من الزكاة ولا من الحج ولا غير ذلك، ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارة وتخالفه أخرى، وإنما الملتزم لشرائع الإسلام الشيزبرون، وهو الذي أظهر من شرائع الإسلام ما استفاض عند الناس، وأما هؤلاء فدخلوا فيه وما التزموا شرائعه [26] , وقتال هذا الضرب واجبٌ بإجماع المسلمين وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم [27] فإن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبدًا، وإذا كان الأكراد والأعراب وغيرهم من أهل البوادي الذين لا يلتزمون شريعة الإسلام يجب قتالهم وإن لم يتعد ضررهم إلى أهل الأمصار فكيف بهؤلاء؟ نعم يجب أن يسلك في قتاله المسلك الشرعي من دعائهم إلى التزام شرائع الإسلام إن لم تكن الدعوة إلى الشرائع قد بلغتهم، كما كان الكافر الحربي يدعى أولًا إلى الشهادتين إن لم تكن الدعوة قد بلغته [28] .