حرمات الدين من إذلالٍ المسلمين، وإهانةٍ المساجد، لاسيما بيت المقدس وأفسدوا فيه، وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم، وأسروا من رجال المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم، وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم، لِمَا زعموا من اتبّاع أصل الإسلام، ولكونهم عفّوا عن استئصال المسلمين. فهل يجوز قتالهم أو يجب، وأيما كان فمن أي الوجوه جوازه أو وجوبه؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب:
الحمد لله، كل طائفة [1] ممتنعة [2] عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم [3] فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه [4] ، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة - رضي الله عنهم - مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبى بكر - رضي الله عنهما - فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة.
وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة مع قوله: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم) [5] ، فعُلِمَ أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقطٍ للقتال. فالقتال واجبٌ حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب [6] [7] فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته [8] التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها [9] وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء [10] وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة - عند من لا يقر بوجوبها - ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها.
وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزله مانعي الزكاة وبمنزله الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولهذا افترقت سيرة علي رضي الله عنه في قتاله لأهل البصرة والشام وفي قتاله لأهل النهراون، فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر