وهذه الآية الكريمة مثل بها بعض علماء العربية لحذف اللام الموطئة للقسم ، والدليل على اللام الموطئة المحذوفة عدم اقتران جملة إنكم لمشركون بالفاء ، لأنه لو كان شرطًا لم يسبقه قسم لقيل: فإنكم لمشركون على حد قوله في الخلاصة:
واقرن بفا حتما جوابًا لو جعل ... شرطًا لإن أو غيرها لم ينجعل
وهو مذهب سيبويه ، وهو الصحيح ، وحذف الفاء في مثل ذلك من ضرورة الشعر .
وما زعمه بعضهم من أنه يجوز مطلقًا ، وأن ذلك دلت عليه آيتان من كتاب الله .
إحداهما قوله تعالى: { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام: 121 ] .
والثانية قوله تعالى: { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى: 30 ] بحذف الفاء في قراءة نافع وابن عامر من السبعة خلاف التحقيق .
بل المسوغ لحذف الفاء في آية: { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } تقدير القسم المحذوف قبل الشرط المدلول عليه بحذف الفاء على حد قوله في الخلاصة:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أحرت فهو ملتزم
وعليه: فجملة إنكم لمشركون جواب القسم المقدر ، وجواب الشرط محذوف فلا دليل في الآية لحذف الفاء المذكور .
والمسوغ له في آية { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى: 30 ] أن ما في قراءة نافع وابن عامر موصولة كما جزم به غير واحد من المحققين ، أي والذي أصابكم من مصيبة كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم .
وأما على قراءة الجمهور: فما موصولة أيضًا ، ودخول الفاء في خبر الموصول جائز كما أن عدمه جائز فكلتا القراءتين جارية على أمر جائز .
ومثال دخول الفاء في خبر الموصول قوله تعالى: { الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة: 274 ] وهو كثير في القرآن وقال بعضهم: إن ما في قراءة الجمهور شرطية ، وعليه فاقتران الجزاء بالفاء واجب أما على قراءة نافع وابن عامر ، فهي موصولة ليس إلا كما هو التحقيق إن شاء الله .
وكون ما شرطية على قراءة وموصولة على قراءة لا إشكال فيه . لما قدمنا من أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين .
ومن الآيات الدالة على نحو ما دلت عليه آية الأنعام المذكورة قوله تعالى: { إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل: 100 ] ، فصرح بتوليهم للشيطان أي باتباع ما يزين لهم من الكفر والمعاصي مخالفًا لما جاءت به الرسل ، ثم صرح بأن ذلك إشراك به في قوله تعالى: