.. لعل القرنين السادس والسابع الهجريين حملا الكثير من ملامح القرون السابقة التى شهدت انفصالا حقيقيا بين الأوضاع السياسية وبين ازدهار المدنية الإسلامية. ففى الوقت الذى نرى فيه الصراع السياسى وتفكك الدولة العظمى إلى إمارات ومناطق نفوذ، ندهش لما أنتجته تلك المدنية من أفكار وعلوم، وعلماء وأدباء في شتى نواحى المعرفة.
... وهذان القرنان (السادس والسابع) وإن حملا تلك الملامح البارزة، فقد اختصا بمعاصرة الرياح العاتية التى ضربت شجرة الحضارة، وذلك من البدايات الأولى للإهتزاز حتى الهجمة العنيفة التى أطاحت بكثير من أجزاء كيان تلك الشجرة.
... وعليه فمن كان ابن ذاك العصر سيحرص بالتأكيد على المشاركة قدر طاقته في المحافظة على ما لدى بيئته وزمانه، ورد الأمور إلى أصولها، وذلك كحد أدنى إن لم يستطع أن يعيد هو ما فقدته أمته خلال التصادم.
... أما من ناحية المدنية الإسلامية فقد تابعت وقتئذ مسيرتها وازدهرت ثقافتها رغم كل الظروف الصعبة من حروب داخلية مدمرة ومن تعدد المذاهب الكلامية والفلسفية وكثرة الفرق والمذاهب. وقد قام السلاجقة بدور هام في إيجاد مكان ثابت للإزدهار بعد أن قضوا نوعا ما على الإهتزاز السياسى الذى كاد أن يدمر الحضارة وأعادوا للخلافة العباسية بعض مظهرها، مع احتفاظهم بالسيطرة الفعلية لأنفسهم، وذلك فيما وراء النهر وفارس والعراق. والمضمون الثقافى لهذا الإستقرار النسبى كان في جهد السلاجقة بإنشاء المدارس والمؤسسات التعليمية والمعاهد الدينية، والذى يمكن اعتباره العمل الأول من نوعه في التاريخ الإسلامى. وقد كانت المدرسة النظامية في نيسابور وبغداد أنموذجا لتخريج العلماء وللنشر الثقافى والفكر المتطور.