... فينبغى أن يثبت ويصير على أستاذ وعلى كتاب حتى لا يتركه أبتر، وعلى فن حتى لا يشتغل بفن آخر قبل أن يتقن الأول [1] ، وعلى بلد حتى لا ينتقل إلى بلد آخر من غير ضرورة [2] ، فإن ذلك كله يفرق الأمور ويشغل القلوب ويضيع الأوقات ويؤذى المعلم.
... وينبغى أن يصبر عما تريده نفسه وهواه.
... قال الشاعر:
إن الهوى لهو الهوان بعينه ... وصريع كل هوى صريع هوان
... ويصير على المحن والبليات.
... قيل: خزائن المنن، على قناطير المحن.
... ولقد أنشدت، وقيل إنه لعلى بن أبى طالب كرم الله وجهه شعرا [3] :
ألا لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان
ذكاء وحرص واصطباروبلغة [4] ... وإرشاد أستاذ وطول زمان
... وأما اختيار الشريك، فينبغى أن يختار المجد والوراع وصاحب الطبع المستقيم المتفهم، ويفر من الكسلان والمعطل والمكثار [5] والمفسد والفتان.
... قال الشاعر [6] :
عن المرء لا تسل وأبصر قرينه ...
... ... ... فإن القرين بالمقارن يقتدى [7]
فإن كان ذا شر فجنبه سرعة ...
... ... ... وإن كان ذا خير فقارنه تهتدى
وأنشدت شعرا آخر:
لا تصحب الكسلان في حالته ...
... ... ... كم صالح بفساد آخر يفسد
(1) ولا يخفى أنه يقصد بكلمة الفن: العلم.
(2) يشير إلى أن الرحلة في طلب العلم كانت شعار العلماء وأنه لا بد منها لكل متعلم وراوية، ويؤكد عليه هنا أن لا يترك بلد إلى بلد آخر إلا بعد أن يستكمل ما في البلد الأول من رواية وعلم.
(3) وقد وجدت هذا الشعر منسوبا إلى الإمام الشافعى مع اختلاف في اللفظ، انظر ديوانه ص 163.
(4) البلغة: ما يتبلغ به من العيش القليل.
(5) المكثار: كثير الكلام وغالبا ما يكون بلا معنى.
(6) قاله عدى بن زين العبادى، أنظر أدب الدنيا والدين 167، جمهرة أشعار العرب 179 ولفظه:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى
(7) فى هذا المعنى روى ابن ماجه عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (اختبروا الناس بإخوانهم فإن الرجل يخادن من يعجبه نحوه) . والنحو: الطريقة.