صلى الله عليه وسلم- عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» )) [1] .
و هذا الحديث ليس فيه إخراج لزوجات النبي-عليه الصلاة و السلام- و لا جعل ذلك مٌقتصرا على علي و بيته، و إنما هو حديث جاء ردا على النصارى الذين طالبهم النبي بالمباهلة حسب ما ذكرته الآية السابقة. و الرسول فعل ذلك من باب المثال لا الحصر و التخصيص، لأن الآية أوسع مما فعله، فهي بأسلوب الجمع تخص الأبناء، و الأنفس، و الزوجات، و ليست خاصة بهؤلاء فقط، و إنما هي أيضا تشمل المسلمين عامة. لكن النبي اكتفى بذلك، و لم يكن فعله نفيا لما قلناه.
لكن الذي يهمنا هنا هو أن النبي-صلى الله عليه وسلم - جعل عليا و ولديه من أهل بيته، و هذا مخالف لما أثبتناه في الرواية السنية الصحيحة من جهة، و مخالف أيضا للحقيقة التاريخية المعروفة الثابتة شرعا و تاريخا أن الرسول لم يكن له أبناء ذكور، و أن عليا و الحسن و الحسين ليسوا من أبنائه!!. فلماذا جعلهم من أهل بيته؟،و ما حقيقة الأمر؟.
إن الأمر واضح، هو أن لعبارة: أهل البيت، معنيان: معنى حقيقي دقيق يخص الزوج و زوجته و الأولاد إن وُجدوا، و هذا سبق بيانه. و معنى مجازي تكريمي عام، يُطلق على أقرباء الزوجين و من يعش معهما من غير أولادهم، و قد يُطلق أيضا على الأحباب و المقربين تكريما لهم، و اعترافا بفضلهم. و هذا المعنى المجازي العام يُقابله في الحقيقة لفظ: الآل، و قد سبق بيانه و توثيقه. و الدليل على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- قصد ما قلناه يتمثل في المعطيات و الشواهد الآتية:
أولها هو أن إطلاق لفظ أهل البيت على غير الزوج و الزوجة، و الأولاد إن وجدوا، أو إطلاقه على غيرهم و إخراجهم-الزوج و زوجته و أولادهما- من أهل البيت. هو أمر لا يصح شرعا و لا عقلا، و هو عملية تحريفية مقصودة مكشوفة لغايات مبيتة سلفا على حساب الحقيقية. و بما أن الأمر كذلك، و الحديثان السابقان صحيحان فلا شك أنهما يقصدان المعنى الصحيح الذي ذكرناه.
و ثانيها مفاده هو أن النبي-عليه الصلاة و السلام- جمع عمه العباس و أولاده، فكان مما قاله لهم، أنه دعا الله تعالى بقوله: (( يا رب هذا عمى وصنو أبى، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كسترى إياهم بملاءتي هذه ) ) [2] . واضح من قوله أنه جعل أبناء العباس من أهل بيته، كما جعل عليا و الحسن و الحسن من أهل بيته أيضا. و هذا تكريم منه للجميع.
و الشاهد الثالث حديث نبوي مفاده أن الصحابي واثلة بن الأصقع-رضي الله عنه- ذكر أنه كان في بيت علي بن أبي طالب، فدخل النبي-عليه الصلاة و السلام- فجلس على (( الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه، و عليا عن يساره، و حسنا وحسينا بين يديه، و قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} -الأحزاب:33 - اللهم هؤلاء أهلي. قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال:"وأنت من أهلي"قال واثلة:"إنها لمن أرجى ما أرتجي") ) [3] . فالرسول ألحق صحابيا ليس من آله أصلا، ألحقه بأهل بيته، و سواه بعلي و بنيه في إلحاقهم بأهل بيته، مع أن الجميع ليسوا من أهل بيته على الحقيقة إلا فاطمة- رضي الله عنها. فهذا إكرام منه لهؤلاء.
و الشاهد الرابع حديث رواه مسلم، مفاده أن الصحابي عبد الله بن جعفر-رضي الله عنه- قال: (( كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قدم من سفر تُلقِى بصبيان أهل بيته. - قال: وإنه قَدِم من سفر فسُبِق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه. قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة ) ) [4] . واضح منه أن عبد الله بن جعفر عدّ نفسه-و غيره من صبيان آل النبي- من أهل بيت الرسول-عليه الصلاة و السلام-، مع أنه ليس من أبناء علي، و إنما هو ابن جعفر أخ علي - رضي الله عنهم-. و الجميع من آل النبي و ليسوا من أهله بالمعنى الحقيقي الدقيق، لكنهم أُدخلوا في بيته بالمعنى التكريمي المجازي.
و الشاهد الخامس حديث نبوي مفاده: (( عن أم سلمة: إن النبي- صلى الله عليه وسلم- جلل عليا وفاطمة، وابنيهما بكساء، ثم قال:"اللهم هؤلاء أهل بيت بنتي و حامتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا"فقلت: يا رسول الله! أنا منهم؟ قال:"إنك إلى خير") ) [5] . و هذا الحديث أعطانا الجواب الصحيح و الدقيق الذي نبحث عنه، و حل الإشكال بالمعنى المقصود من قول النبي لعلي و بنيه (( هؤلاء أهل بيتي) . فهو هنا فسّر لنا مقصوده، و يعني به بيت ابنته فاطمة، و ليس بيت"ابنه علي". فهو تكريما لها و لأهل بيتها نسب بيتها إليه، و إلى بيته هو شخصيا. و هذا الحديث شاهد قوي أيضا على صحة ما قلناه من وجود معنيين لعبارة: أهل البيت، و هما المعنى الحقيقي الخاص، و المعنى المجازي التكريمي العام.
و الشاهد السادس حديث نبوي مفاده أن الحسن بن علي-رضي الله عنهما- قال: (( كنت أمشي معه-أي النبي- فمر على جرين من تمر الصدقة، فأخذت تمرة فألقيتها في فمي، فأخذها بلعابي فقال بعض القوم: وما عليك لو تركتها؟ قال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ) ) [6] . فهذا الحديث لم يستخدم المعنى المجازي لأهل
(1) مسلم: المصدر السابق، ج 7 ص: 120.
(2) رواه الهيثمي عن الطبراني في المعجم، و حسّن إسناده. مجمع الزوائد، ج 20 ص: 67.
(3) صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لأحاديث صحيح ابن حبان. صحيح ابن حبان، ج 15 ص: 432.
(4) مسام: الصحيح، ج 7 ص: 132.
(5) الحديث صححه الذهبي، و و وافقه عليه المحقق شعيب الأرناؤوط. الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 3 ص: 283.
(6) صححه شعيب الأرناؤط في تحقيقه لأحاديث المسند، ج 1 ص: 200.