عن بيعته طويلا، فإن ما ذكرته رواية البخاري و مسلم لا علاقة له بالبيعة الأولى، و لا ينفيها، و إنما هو تجديد لها من علي بسبب قضية الميراث.
و إنهاءً لهذا المبحث- مبحث السقيفة- يُستنتج منه أن حادثة السقيفة كانت نعمة على الأمة، و لم تكن نقمة عليها، لأنها جسدت مبدأ الشورى في الواقع كما نصّ عليه الشرع. فمارسه الصحابة بحرية و اختيار، فاختلفوا و تشاوروا و تناقشوا، ثم اتفقوا في النهاية على بيعة أبي بكر الصديق بالإجماع. فكانت حقا تجربة شورية رائدة ناجحة.
و تبين منه أيضا أن اختلاف الصحابة في حادثة السقيفة كان حول من يتولى منهم الحلافة، و لم يكن حول: هل هي بالوصية و النص و التوريث، أم هي بالشورى و الاختيار؟، فأمر الخلافة كان محسوما عندهم بأنه شورى بينهم بدليل القرآن، و السنة النبوية، لأن النبي-عليه الصلاة و السلام- توفي و لم يُوص لأحد منهم بالخلافة من بعده.
و اتضح أيضا أن ما روته الرواية الشيعية من أن علي بن أبي طالب أنكر بيعة أبي بكر الصديق، و أنه لم يُبايعه إلا مُكرها، هو خبر غير صحيح، و أن الصحيح خلافه، و هو الذي رويته الرواية السنية من أن عليا بايع أبا بكر طواعية من دون إكراه، و لم يتخلف عن بيعته في البيعة العامة.
تناقضت الروايتان السنية و الشيعية تناقضا صارخا في موقفيهما من دعوى عصمة علي من الخطأ و علمه للغيب. فالرواية السنية نفت ذلك جملة و تفصيلا، و الرواية الشيعية أثبتته صراحة و أكدت عليه، و جعلته من صفات الكمال التي اتصف بها أئمتها!!. فما تفاصيل ذلك؟، و أي الموقفين صحيح؟.
فبالنسبة للرواية السنية فهي تقول: إن الله تعالى عالم الغيب و الشهادة، و علام الغيوب، و هو وحده سبحانه العالم بذلك، و هو لا يضل و لا ينسى، و لا يُخطئ و لا يغلط. و لم يكن نبيه-عليه الصلاة و السلام- يعلم الغيب، و لا كان علي و لا غيره من الصحابة يعلمون ذلك. و قد أيدت موقفها بأدلة كثيرة من القرآن و السنة و التاريخ.
فأما أدلتها من القرآن فمنها قوله تعالى: (( {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} -صورة النمل:65 - ،و {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} -سورة البقرة:216 - ،و {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} -سورة التوبة:78 - ، و {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} -سورة الأنعام:59 - ،و {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} -سورة الأنعام:50 - ، و {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} -سورة الأعراف:188 - ،و {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ} -سورة يونس:20 - ،و {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} -سورة الرعد:9 - .
و بما أنه سبحانه عالم الغيب و الشهادة، و علام الغيوب، فهو إذن لا يضل، و لا يسهى، و لا يخطئ، و كلامه و أفعاله كلها حق. و الشاهد على ذلك أيضا قوله سبحانه: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} -سورة لأحزاب:4 - ، و {قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} -سورة آل عمران:95 - ،و {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} -سورة الحج:6 - ،و {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} -سورة طه:52 - ، و {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} -سورة مريم:64 - .
فواضح من تلك الآيات أن الغيب لله وحده سبحانه و تعالى، و لا أحد يعلمه من مخلوقاته، و أنه سبحانه لا يضل و لا يسهى، و لا يُخطئ و لا يغلط، فهو سبحانه الحق و العدل.
و أما من السنة النبوية فسنذكر منها شاهدين: الأول يتعلق بعتاب الله تعالى لنبيه في القرآن الكريم بسبب بعض المواقف و التصرفات التي اتخذها النبي، كما في حادثتي ابن أم مكتوم، و أسرى بدر، و قد سجلهما القرآن و التاريخ معا [1] . و في القرآن قوله تعالى: (( عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) )-سورة عبس:1 - 11 - ،و {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} -سورة الأنفال:67 - .
و الشاهد الثاني يتعلق بحادثة الإفك، فعندما أشاعها المنافقون، اختلط الأمر على رسول الله-عليه الصلاة و السلام-، و مر بمحنة شديدة، و لم يتخذ منها موقفا نهائيا، حتى نزل القرآن بالقول الفصل. فقال سبحانه: (( إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ، لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) )-سورة النور: 11 - 17 - .
واضح من ذلك أنه لو كان الرسول-عليه الصلاة و السلام- يعلم الغيب لَمَا صدر منه ما صدر في حادثتي ابن أم مكتوم و أسرى بدر، و لََمَا عاتبه الله تعالى على ذلك، و لَمَا توقف و اضطرب في حادثة الإفك، و ظل متوقفا حتى تدخل الوحي الإلهي و حسم الأمر ببراءة أمنا عائشة-رضي الله عنها-. لكن عدم علمه للغيب لا ينفي عنه عصمة التبليغ كنبي، فهو معصوم لكنه لا يعلم الغيب، و علم الغيب يستلزم العصمة، لكن عصمة الأنبياء لا تستلزم علم الغيب. فهي ليست عصمة
(1) أنظر مثلا: الترمذي: السنن، ج 5 ص: 102. و ابن حبان: الصحيح، ج 2 ص: 293. و ابن كثير: البداية، ج 3 ص: 90.