فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 181

مطلقة نابعة من ذات النبي، و إنما هي رعاية ربانية لنبيه: وحيا و توجيها، إقرارا و تقويما، حفظا و رعاية، و قد سبق أن ذكرنا أمثلة من ذلك. و بما أن النبي لا يعلم الغيب فبالضرورة أن عليا و غيره من الناس لا يعلمون الغيب، و غير معصومين من الزلل و الخطأ.

و أما أدلتها من التاريخ، فمنها ثلاثة شواهد صحيحة تتعلق بمواقف لعلي بن أبي طالب، تشهد على أنه لم يكن يعلم الغيب. أولها موقفه من حادثة الإفك، فعندما ذاع الخبر و استشار النبي-عليه الصلاة و السلام- عليا و أسامة بن زيد في فراق أهله، قال زيد: (( أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرا ) ). وأما علي فقال: (( يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، و سل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بريرة فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئا يريبك؟، فقالت بريرة: لا و الذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها قط، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله ) ) [1] . واضح من ذلك أن كل من هؤلاء اجتهد رأيه، فكان رأي أسامة و بريرة موافقا للحقيقة و لِمَا حكم به القرآن، لكن رأي علي جاء مخالفا لذلك ومجانبا للصواب. فلو كان علي يعلم الغيب و معصوما ما جانب الصواب فيما قاله، و لوافق ما حكم به القرآن الكريم و قال به الآخران.

و الشاهد التاريخي الثاني يتعلق بمحاولة علي بن أبي طالب التزوج على فاطمة ببنت أبي جهل، فلما سمعت فاطمة بذلك (( أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، و هذا على ناكحا ابنة أبى جهل ... فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- ... تشهد ثم قال: «أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني فصدقني، و إن فاطمة بنت محمد مضغة منى وإنما أكره أن يفتنوها، وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا» . فترك على الخطبة ) )،و في رواية أنه قال: (( حدثني فصدقني و وعدني فأوفى لي، و إني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما، و لكن و الله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا ) )، و في رواية (( إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبى طالب، فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن أبى طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما ابنتي بضعة منى، يريبني ما رابها و يؤذيني ما آذاها ) ). [2] . واضح من ذلك أنه -أي علي- لو كان يعلم الغيب و معصوما ما أقدم على ذلك، و لجنب نفسه ما ترتب عن موقف، و من رفض النبي لِما أقدم عليه، و انتقاده له علانية عندما قارن تصرّفه بموقف أبي العاص بن الربيع.

(1) البخاري: الصحيح، ج 3 ص: 185.

(2) مسلم: الصحيح، ج 7 ص: 140، 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت