و عقبات أمام القيام بذلك العمل التنظيري تتطلب منا الوقوف عندها لمناقشتها و حلها و تذليلها.
نُخصص هذا المبحث لمناقشة قضايا تتعلق بمنهج تحقيق الروايات التاريخية عامة، و الروايات السنية و الشيعية -المتعلقة بتاريخ صدر الإسلام- خاصة. و هذه القضايا لها صلة مباشرة بما ذكرناها من مباحث و مناقشات و تحقيقات في الفصول السابقة من جهة، و هي أيضا من نتائجها و إشكالاتها من جهة أخرى. منها ما يتعلق بخبر الآحاد و تعدد طرق الخبر الضعيف، و منها ما يخص علاقة الروايات بأسباب نزول القرآن الكريم، و قضية تقديم الجرح على التعديل، و منها ما يخص علاقة الاستنتاج العقلي بالروايات التاريخية و الحديثية، و منها ما يتعلق بقضية ضعف الرواية الشيعية، و تعدد الروايات الحديثية حسب الطوائف الإسلامية. و سنذكر من ذلك سبع قضايا هامة هادفة تأتي تباعا فيما يلي إن شاء الله تعالى.
أولها تتعلق بحقيقة و أهمية خبر الآحاد [1] ، هذا النوع هو خبر ظني، بمعنى أنه يحتمل الخطأ و الصواب، و الصدق و الكذب، و معظم الأخبار التاريخية و الحديثية هي أخبار آحاد، و المصادر التي وصلتنا تشهد على ذلك، فهي تروي لنا أخبارا عن أفراد محدودين، و بعضها يُكثر من النقل عن شخص واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، كالطبري مثلا الذي أكثر الرواية عن الواقدي، و ابن الكلبي، و سيف التميمي [2] .
و بالتحقيق العلمي لخبر الآحاد يمكن تمييز صحيحه من سقيمه، لكن صحته ليست في درجة واحدة، فمنها صحة ترجيحية، و منها صحة يقينية، و هذا حسب نوع الخبر المُحقق، و مدى توفر الأدلة الصحيحة القطعية، و إمكانية التأكد منها بالمعاينة أو الآثار الصحيحة الدالة عليه.
و قد حدث خلاف كبير بين أهل العلم حول خبر الآحاد من حيث أهميته، و مدى قوته و حجيته، و مجال استخدامه و التساهل فيه [3] . و قد رأينا فيما سبق أن الرواية الشيعية قائمة كلها على خبر الآحاد، و به ردت حقائق و يقينيات الشرع و التاريخ، و هذا موقف لا يصح، و انحراف منهجي كبير ليس من العلم و لا من الموضوعية في شيء. و الصحيح هو أنه لا يصح تقديم خبر الآحاد- حتى بعد تحقيق صحته- على أخبار و قطعيات الشرع و التاريخ، و العقل و العلم، لأن ذلك الخبر- الآحاد- حتى بعد تحقيق صحته يبقى ظنيا يحتمل الخطأ و الصواب، و الصدق و الكذب، من جهة احتمال نسيان أو خطأ أو سهو الراوي أو الرواة الثقات. و هذا خلاف الخبر المتواتر الذي هو قطعي الثبوت، و من ثم لا يصح تقديم
(1) سبق تعريفه مع الخبر المتواتر في المبحث الثالث من الفصل الثاني.
(2) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه.
(3) أنظر مثلا: محمد الزفزاف: التعريف بالقرآن و الحديث، ط 4، مكتبة الفلاح، الكويت، 1984، ص: 246 و ما بعدها، 255 و ما بعدها.