فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 181

قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت، قال: فقيل: أي الناس أفصح، وأي الناس أقرأ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما ويمل الآخر ففعلا، وجمع الناس على مصحف )) . ثم قال علي: (( والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل ) ) [1] .

و هذا الخبر شاهد تاريخي قوي جدا يتضمن أمرين هامين: الأول هو اعتراف علي بشرعية ما قام به الخليفتان أبو بكر و عثمان-رضي الله عنهما- لأن عمل عثمان بُني على المصحف الإمام الذي جمعه أبو بكر، و قد سبق أن أشرنا إلى ذلك و وثقناه. و الأمر الثاني هو أن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- لم ينكر ذلك، و لم يقل أنه هو الذي جمع القرآن، و لا أنه هو أول من فعله.

و أُشير هنا إلى أنه مع أننا أثبتنا عدم صحة ما قالته الرواية الشيعية حول جمع علي للقرآن، فإن بعض أهل العلم كالحافظ ابن كثير فإنه-مع قوله بما أثبتناه- ذكر أن تلك الرواية تحتمل وجها مقبولا هو أن عليا جمع القرآن، بمعنى أنه أتم حفظه قراءة عن ظهر قلب. بدليل أن المتقدمين كانوا يقولون لمن حفظ القرآن: إنه جمع القرآن [2] .

و بذلك نكون قد أنهينا تحقيقنا للروايتين السنية و الشيعية في اختلافهما حول جمع القرآن الكريم بعد وفاة النبي- صلى الله عليه و سلم-. و قد تبين منه - بفضل النقد الإسنادي و المتني- أن ما ذكرته الرواية السنية هو الصحيح، من أن أبا بكر الصديق هو الذي جمع القرآن و وحده عثمان بن عفان؛ و أن ما ذكرته الرواية الشيعية من أن عليا هو أول من جمع القرآن لم يصح.

ثانيا: تناقض الروايات السنية و الشيعية حول سلامة القرآن من التحريف:

تناقضت الروايتان السنية و الشيعية تناقضا بيّنا في موقفيهما من سلامة القرآن الكريم من التحريف. فالرواية السنية نصت على أن القرآن الكريم جمعه الصحابة زمن أبي بكر، و وحدوه زمن عثمان-رضي الله عنهم أجمعين-، بكل أمانة و صدق و إخلاص، من دون أن يتعرض لأي تحريف بزيادة و لا نقصان. و دليلها في ذلك من القرآن الكريم و الخبر الصحيح،، فأما دليلها القرآني فهو أن الله سبحانه و تعالى تولى حفظ كتابه، و نصّ على أنه كتاب مُحكم لا يأتيه الباطل أبدا، في قوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} -سورة الحجر:9 - ، و {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} -سورة هود:1 - ،و {لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} -سورة فصلت:42 - .

(1) الخبر صححه ابن حجر و السيوطي. فتح الباري، ط 2، دار المعرفة، بيروت، ج 9 ص: 17. و الإتقان في علوم القرآن، ط 1، دار الفكر، بيروت، 1996، ج 1 ص: 165.

(2) ابن كثير: تفسير ابن كثير، ج 1 ص: 33. و الذهبي: سير أعلام النبلاء تحت إشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج 2 ص: 245، 318.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت