و أما دليلها من التاريخ فيتمثل في الخبر الصحيح الذي ذكرناه في المبحث الأول المتعلق بجمع القرآن الكريم. و فيه تولى الصحابة جمع المصحف الشريف، و توحيده حرفا و قراءة [1] . فالدليلان القرآني و التاريخي مُتفقان على سلامة القرآن من أي تحريف حسب الرواية السنية.
و أما الرواية الشيعية فهي على نقيض الرواية السنية، فقد نصت صراحة على أن القرآن تعرّض للتحريف المُتعمد عن سبق إصرار و ترصّد. و لها في ذلك روايات كثيرة مُجملة و مُفصلة، أذكر منها سبعا: أولها ما رواه أبو جعفر الكليني (ت 328أو 329 هجرية) عن: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام عن جابر قال: سمعت أبا جعفر الباقر يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أُنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب و الأئمة من بعده [2] . و معنى ذلك أن القرآن الذي كان عند الصحابة و عامة المسلمين كان ناقصا و غير سليم من التحريف.
و ثانيها رواها أيضا أبو جعفر الكليني، و مضمونها: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن سالم بن سلمة، عن أبي عبد الله جعفر الصادق: إن علي بن أبي طالب أخرج القرآن إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله على محمد- صلى الله عليه و سلم -، وقد جمعته من اللوحين فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه [3] . و معنى ذلك أن القرآن الأصلي الكامل الحقيقي كان عند علي، ثم أخفاه عن المسلمين، و أما الذي كان عندهم فهو قرآن ناقص.
و الرواية الثالثة رواها الكُليني أيضا، عن: محمد بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان عن المُنخل، عن جابر، عن أبي جعفر أنه قال: (( ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء ) ) [4] . واضح من ذلك أن ما عند غير هؤلاء من القرآن ناقص.
و الرواية الرابعة رواها الكُليني أيضا، و إسنادها، عن: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد. و محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد. و الحسن بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور، عن علي بن
(1) سبق توثيق ذلك.
(2) أبو جعفر الكليني: الأصول من الكافي، ج2 ص: 51.
(3) نفس المصدر، ج 6 ص: 215.
(4) نفس المصدر، ج 2 ص: 51.