فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 181

و رابعا إن ذلك التاريخ المتناقض - بما نشره من أباطيل و أكاذيب- أفسد جانبا كبيرا من الفكر الإسلامي، و كرّس فيه التناقضات، و أحدث فيه بلبلة و انشقاقا، و أضعف يقينياته و بديهياته الشرعية و الفطرية، و عوّضتها بالشكوك و الظنيات، و الأساطير و الأوهام. و هذا واضح بجلاء في الروايات الشيعية التي ناقشناها سابقا، فلا يكاد يصح لها إسناد و لا متن، و هي مملوءة بالمخالفات الشرعية و الأخطاء التاريخية. و هذا حال كل المذاهب و الاتجاهات القائمة على الروايات الشيعية، أو المتأثرة بها، أو القريبة منها منهجًا و تفكيرًا. بل و حتى المعارضة لها قد تسرب إليها جانب من المرويات الشيعية و تأثيراتها كما هو حال بعض المصادر السنية الحديثية التي أوردت بعض الروايات الشيعية و صححتها، و قد ذكرنا نماذج منها في مبحث حادثة غدير خم من الفصل الثاني.

و أخيرا- خامسا- إن تناقض الروايات السنية و الشيعية أورثنا أزمات و سلبيات و مصائب كثيرة على مستوى الأفكار و السلوكيات. منها أنه أوصل إلينا تاريخا مذهبيا مُلغما متناقضا مُكرسا يتعلق بتاريخ صدر الإسلام. و هذه عملية اغتيال خطيرة جدا تعرض لها جانب كبير من هذا التاريخ كادت أن تطمسه و تُطيح به. و منها أنه تضمن بداخله تعصبا مذهبيا ممقوتا قام أساسا على الطعن في دين الإسلام و الصحابة- رضي الله عنهم-، بسبب ما نشرته الروايات الشيعية من أباطيل و أكاذيب كثيرة، و ما يزال هذا التعصب قائما و مُنأججا إلى يومنا هذا. و منها أنها أورثتنا تاريخا متناقضا في معظم جوانبه، و هذا يفرض علينا عدم الاطمئنان إليه و الأخذ منه إلا بعد النظر فيه و تحقيقه و تمييز صحيحه من سقيمه. و منها أيضا أن الرواية الشيعية لم تكن تحمل تاريخا موازيا لتاريخ صدر الإسلام الصحيح لإفساده و الإطاحة به فقط، و إنما كانت تحمل أيضا فكرا مذهبيا بديلا و خطيرا لاغتيال دين الإسلام: قرآناٌ و سنةٌ، أصولا و فروعا.،و هذا أمر سبق بيانه و توثيقه.

و بما أن الأمر كذلك، و ما ذكرناه كان يمثل جانبا كبيرا مما نتج و استنتجناه من تناقض الروايات السنية و الشيعية المتعلقة بتاريخ صدر الإسلام؛ فما هي الأسباب و الخلفيات التي أدت إلى تناقض تلك الروايات، و ظهور ذلك التاريخ المتناقض؟.

ثانيا: أسباب و خلفيات تناقض الروايات السنية و الشيعية:

كانت لظاهرة تناقض الروايات السنية و الشيعية حول تاريخ صدر الإسلام أسباب و خلفيات كثيرة و متنوعة، و متداخلة فيما بينها، و مُؤثرة في بعضها و مُتفاعلة فيما بينها: مُنطلقا و نتيجة. منها أسباب عفوية عادية كالخطأ، و النسيان، و السهو، و ولوع النفس بالغرائب و المبالغات، هذه الأسباب تساهم في حدوث أخطاء و تحريفات و نقائص في نقل الأخبار و روايتها، فيترتب عن ذلك تكوين تاريخ يتضمن أخبارا و روايات متناقضة. لكن تأثير هذا النوع من الأسباب في اختلاف الأخبار و تناقضها محدود: عمقا و اتساعا و أثرا، و لا يُؤدي إلى تحول الأمر إلى ظاهرة عامة خطيرة تجعل التناقض هو الأساس و السمة البارزة لتاريخ ما.

و منها أسباب لها خلفيات مقصودة مُتعمدة عن سبق إصرار و ترصد، أذكر منها أربعة: أولها نية الكيد للإسلام و أهله، عن طريق إفساد و هدم دين الإسلام، و فكر و سلوكيات المسلمين. و قد تولى القيام بذلك جماعة عبد الله بن سبأ و أصحابه المعروفة بالسبئية، فاتخذت من اختلاق الروايات و تحريفها وسيلة لها لتحقيق مشروعها التخريبي الهدمي. فاختلقت روايات مذهبية تحمل فكرا و تاريخا مخالفيّن و مُصادميّن لحقائق الشرع و تاريخ صدر الإسلام، كقولها بالوصية و الإمامة، و طعنها في الصحابة [1] . فنتج عن ذلك وجود تاريخ متناقض يتضمن روايات تاريخية كثيرة متناقضة تتعلق بدين الإسلام و تاريخ الصحابة.

و ثانيها الخلفيات السياسية، فبعدما انقسمت الأمة على نفسها إلى أحزاب سياسية متناحرة بسبب الفتنة الكبرى و ما نتج عناها، أصبحت كل طائفة تدافع عن نفسها و جماعتها و فكرها، و تدعي أنها على صواب و غيرها على باطل. فوجدت في اختلاق الروايات و تحريفها وسيلة فعالة لتحقيق جانب من مشروعها المصيري. فأدى ذلك إلى تضخم المرويات و تراكمها و تناقضها [2] .

و السبب الثالث المُتعمد يتمثل في الخلفيات المذهبية، فعندما انقسمت الأمة على نفسها إلى طوائف مذهبية متناحرة و متناقضة، كالشيعة، و الخوارج، و المعتزلة، و أهل السنة، و الجهمية، و المجسمة، أصبحت كل طائفة في حاجة إلى الروايات الحديثية و التاريخية لتأييد فكرها، و الرد على معارضيها، و تقعيد مذهبها. و بما أن تلك الطوائف متناقضة و متناحرة فيما بيتها، و لا بد لها من مثل تلك الروايات، فإن هذا أدى إلى اختلاق الروايات و تراكمها و تناقضها.

و السبب الأخير- الرابع- هو طلب الملذات و الشهوات، و ضمان استمرار المصالح الدنيوية جعل كثيرا من أهل المذاهب و الطوائف يختلقون الروايات و يُحرفون بعضها باسم الدين و المذهب مع مخالفتها الصريحة للقرآن الكريم و التاريخ الصحيح من السيرة النبوية و تاريخ الصحابة. من ذلك قول الرواية الشيعية بالتقية [3] ، و خمس آل البيت، و إتيان المرأة من دبرها [4] . فأدى ذلك- و غيره- إلى اختلاق روايات كثيرة متناقضة فيما بينها، و مع الشرع و التاريخ الصحيح أيضا.

(1) للوقوف على نشأتها و فكرها و نشاطها التهديمي أنظر كتابنا: بحوث حول الخلافة و الفتنة الكبرى.

(2) للتوسع في الموضوع أنظر كتابنا: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه.

(3) سنعود إليها قريبا.

(4) أنظر مثلا: الكليني: الكافي، ج 1 ص: 251، ج 3 ص: 96. و الطوسي: الاستبصار، ج 3 ص: 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت