الخوف من أن يتفلت منه القرآن يتطلب منه الحرص على حفظه و إتقان تلاوته. هذا فضلا على أنه من الثابت تاريخيا أن عليا و غيره من الصحابة كانت لهم مصاحفهم التي كتبوها زمن النبي-عليه الصلاة و السلام-، لهذا (( نهى رسول الله أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ ) ) [1] ،و هذا المصاحف كانت تضم ما نزل من القرآن قبل اكتماله و جمعه، و بعضها كان قد تضمنه كله بعد توقف الوحي، و لهذا وجدنا زيد بن ثابت كان يحفظ كل القرآن و عندما جاء يجمعه افتقد الأصل المكتوب لآية كان يحفظها و كثيرا ما سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقرؤها، فطلباها و وجده أصلها المكتوب عند بعض الصحابة [2] .
و السبب الثاني لا يصح هو أيضا، لأن المسلمين كانوا يقرؤون القرآن زمن النبي، و لم يكونوا في حاجة أبدا إلى من يجمع لهم القرآن ليقرؤوه بعُيد وفاة رسول الله. فقد كان القرآن عندهم محفوظا و مكتوبا.
و السبب الثالث اتهم الصحابة بنبذ كتاب الله و الانصراف إلى الدنيا، و هذا اتهام لا يصح مُخالف للخبر المتواتر شرعا و تاريخا، من أن الصحابة كانوا مؤمنين صالحين زمن النبي-عليه الصلاة و السلام- و بعده. و هذا أمر سنتوسع فيه، و ونقيم الأدلة القطعية على صحته في المبحث الثالث من هذا الفصل بحول الله تعالى.
و أما من جهة مضمونها بصفة عامة، فبعضها ذكر أن عليا أخذ على نفسه بأن لا يخرج من بيته حتى يجمع القرآن، و في بعضها لا يخرج إلا لصلاة، و في أخرى لا يخرج إلا لصلاة الجمعة، و بعضها لم يشر إلى ذلك كلية [3] . فلماذا هذا التباين؟!. فهذا الشاهد-أي الرابع- هو دليل قوي على ضعف متن الرواية الشيعية فيما ذكرته عن جمع علي للقرآن الكريم.
و أما الشاهد الخامس فيتمثل في خبر صحيح الإسناد يقول فيه علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-: (( أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين ) ) [4] . و هذا شاهد تاريخي دامغ على أن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- لم يجمع القرآن الكريم، و لا هو أول من جمعه، و إنما أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- هو الذي فعل ذلك، و أول من جمعه.
و الشاهد الأخير- السادس- مفاده هو أنه ورد في خبر صحيح الإسناد يقول فيه علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-: (( يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرا [أو قولوا له خيرا] في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا
(1) مسلم: الصحيح، دار الجيل، بيروت، ج 6 ص: 30. و المقصود بالقرآن في الحديث ما كان مكتوبا من القرآن عند الصحابة قبل جمعه، ثم هو ينطبق على القرآن بعد جمعه أيضا.
(2) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 116.
(3) سبق توثيق ذلك عندما ذكرنا الروايات الشيعية.
(4) الخبر صححه الذهبي و ابن كثير. الذهبي: الخلفاء الراشدون، حققه حسام الدين القدسي، ط1، دار الجيل، بيروـ 1992، ص: 70. و ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 1 ص: 52.