فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 181

القرآن الكريم كانت نسخه الأصلية كثيرة العدد و كبيرة الحجم-صلبة و ليّنة-،و متفرقة في بيوت النبي و بيوت بعض أصحابه. و لهذا عندما كُلّف زيد بن ثابت-رضي الله عنه- بجمع القرآن قام بجمع نسخه المُتفرقة، و قد سبق أن أشرنا إلى ذلك و وثقناه.

و أما ما ذكرته رواية الكُليني الثانية من أن علي بن أبي طالب قال للصحابة-عندما أخرج مصحفه-: (( هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله على محمد-صلى الله عليه و سلم -، وقد جمعته من اللوحين ) ). فهذا لا يصح، و على فرض صحته فهو شاهد ضد الرواية الشيعية. فهو لا يصح لأنه من الثابت تاريخيا أن النبي-عليه الصلاة و السلام- توفي و لم يجمع القرآن في كتاب واحد، و إنما تركه محفوظا في الصدور و مكتوبا متفرقا بنسخه الأصلية. فأين وجد علي المصحف الأصلي المكتوب المحفوظ بين اللوحين، لكي ينسخ منه؟؟!. و إذا كان نسخه من النسخ الأصلية المتفرقة، فهذا سبق أن بينا أن ذلك لم يكن في مقدور علي أن يفعله. كما أن قوله: (( جمعته من اللوحين ) )، يعي أن القرآن كان مجموعا في كتاب واحد زمن النبي، و مع أن هذا غير صحيح، فإنه شاهد على أن عليا نسخ مصحفا منه فقط، و عمله هذا عادي للغاية يمكن أن يقوم به أي مسلم، و لا يُعتبر عملا خاصا بعلي، و لا جمعا للقرآن.

و الشاهد الثالث هو أنه صح الخبر-بالروايات الصحيحة و الضعيفة- أن عليا بايع أبا بكر-رضي الله عنهما- في الأيام الأولى من خلافته عندما بايعه الناس [1] . و بما أن الأمر كذلك، و الروايات الشيعية ذكرت أن عليا جمع القرآن قبل أن يخرج إلى أبي بكر و غيره من الصحابة؛ فإن هذا دليل قوي على أن ما ذكرته الروايات الشيعية لا يصح. لأن المدة الزمنية لا تكفيه لجمع نسخ القرآن الكثيرة العدد، و الكبيرة الحجم، و المُتفرقة الأماكن من جهة [2] ،و لا تكفيه لفرزها و ترتيبها و تدوينها من جهة أخرى.

و الشاهد الرابع مفاده هو أن مضمون تلك الروايات- الشيعية- شاهد على ضعفها و تلاعب الرواة بها، و توجيههم لها لغايات في أننفسهم. فمن جهة السبب فبعضها لم يذكر سببا لجمع علي للقرآن، و بعضها ذكر أن علي بن أب طالب خاف أن يتفلت منه القرآن، و بعضها أشار إلى أنه جمعه للناس ليقرؤوه، و بعضها ذكر أن عليا جمعه لأنه رأي الصحابة نبذوه و ألهتهم الدنيا [3] . و هذه الأسباب لا تصح من جهتين: الأولى إنها أسباب متباينة و هذا شاهد على ضعفها. و الثانية هي إن تلك الأسباب المذكورة لا تصح تعليلا لما ذكرته عن جمع علي للقرآن الكريم. و تفصيل ذلك هو أن السبب الأول لا يتطلب جمع القرآن في مصحف واحد، لأن

(1) هذا الأمر سبق لي أن توسعت فيه في كتابنا: بحوث حول الخلافة و الفتنة، ط1، دار كنوز الحكمة، الجزائر، 2009، الجزائر، ص: 5 و ما بعدها. و هذا الموضوع سنعود إليه لاحقا بحول الله تعالى , و قد سبق أن ذكرنا أن بعض الروايات الشيعة قد نصت على أن عليا بايع أبا بكر في الأيام الأولى من خلافته.

(2) هذا على فرض أنه خرج من بيته و جمعها.

(3) سبق توثيق ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت