و ثانيا ففيما يتعلق بتحقيق و نقد متون تلك الروايات، فإن الرواية السنية -التي صحت إسنادا- صحت أيضا متنا، بدليل الشواهد الآتية: أولها هو أن صحة إسناد الرواية السنية أعطى لمتنها صحة و ثبوتا.
و الثاني هو أن ما ذكرته الرواية السنية يتفق تماما مع ما ذكره الله تعالى بأنه يتولى حفظ كتابه، و أنه لا يأتيه الباطل أبدا، في قوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} -سورة الحجر:9 - ، و {لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} -سورة فصلت:42 - . و هذا قد تحقق عمليا على أيدي الصحابة- رضي الله عنهم-.
و الشاهد الثالث هو أن ما ذكرته الرواية السنية من جمع الصحابة للقرآن و توحيده هو عمل مُتفق تماما مع إيمانهم و أخلاقهم، فقد زكاهم القرآن الكرم، و شهد لهم بالإيمان و العمل الصالح، و شهد للسابقين منهم بالرضوان و دخول الجنة، و جعلهم قدوة لمن بعدهم، كما في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} -سورة التوبة:100 - . فجاء جمعهم للقرآن استجابة له، و حرصا منهم عليه، و تعاونا منهم على خدمة كتاب الله تعالى.
و بذلك يتضح أن الرواية السنية صحيحة إسنادا و متنا، و لا تُثير أية إشكالات. و هذا خلاف الرواية الشيعية التي لم تصح إسنادا، و هذا يطعن في متنها و يّضعفه من جهة، كما أنها خالفت الرواية السنية الصحيحة من جهة ثانية؛ و هي تحمل بداخلها إشكالات و اعتراضات و أباطيل تشهد على ضعفها و عدم صحتها من جهة ثالثة؛ كما أنه توجد شواهد تاريخية أخرى صحيحة تُخالف ما قررته الرواية الشيعية من جهة رابعة.
و الشواهد الآتية تُفصل ما ذكرناه، و تُثبت ما قررناه: أولها هو أنه لا توجد أية أسباب، و لا مبررات، و لا دوافع حقيقية و موضوعية تجعل علي بن أبي طالب-رضي الله عته- يقدم على جمع القرآن الكريم بمفرده، و بعد وفاة رسول الله مباشرة. فالقول بذلك لا يصح، لأن القرآن الكريم كان عند كل المسلمين، و بين أيدي مؤمنة أمينة، و لم يكن يتهدده أي خطر أبدا، و لم يكن المسلمون في حاجة إلى علي، و لا إلى غيره من الصحابة ليجمع لهم القرآن الكريم. و الصحابة الكرام اختلفوا فيمن يتولى الخلافة منهم، و لم يختلفوا في القرآن الكريم بعد وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام-. و كلامنا هذا ثابت متواتر بشهادة الشرع و التاريخ [1] .
و ثانيها هو أن ما ذكرته تلك الروايات-أي الشيعية- من أن عليا جمع القرآن و هو في بيته و لم يخرج إلا للصلاة، و في غيرها لم يخرج منه قط حتى جمعه. هذا أمر لا يصح و ليس في مقدور علي فعله من دون أن يخرج من بيته، لأن الثابت أن
(1) مع أن ذلك من التاريخ المتواتر، فقد سبق توثيق بعضه عندما أشرنا إلى ما ذكرته الرواية السنية في جمع القرآن الكريم. و سيأتي توثيق ذلك لاحقا في عدة مواضع من كتابنا هذا، إن شاء الله تعالى.