و أما إسناد الرواية الثالثة- للطبرسي-،و هو (عن أبى المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجال ثقة) . و هذا لا يصح لأنه منقطع و لا نعرف من رواته إلا راويا واحدا، و قوله: (عن رجال ثقات) ، غير مقبول لأنه إذا كان هو يعرفهم فنحن لا نعرفهم، و كان يجب عليه ذكرهم، لأنه من حقنا عليه معرفتهم. و نحن لا نقبل رواية عن مجهولين، كما أن الراوي الذي ذكره هو أيضا ضعيف، فقد كذبه أهل الحديث، و مزقوا حديثه و أبطلوه، لما بان لهم كذبه و وضعه للحديث [1] . و حتى الشيعة طعنوا فيه، فكان جلهم يغمزونه و يُضعفونه [2] .
و أما الروايات ذات النزعة الشيعة -التي وردت في بعض المصادر السنية-، فالأولى إسنادها هو: (عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة قال:) . و هذا إسناد لا يصح، لأنه مرسل، بسبب أن عِكرمة لم يسمع من علي بن أبي طالب [3] . و لأنه معنعن كله، و لأن عِكرمة مولى ابن عباس اُختلف فيه توثيقا و تعديلا، و مذكور في الضعفاء [4] .
و الثانية -للبلاذري- إسنادها هو: (حدثنا سلمة بن الصقر، وروح بن عبد المؤمن قالا: ثنا عبد الوهاب الثقفي، أنبأ أيوب، عن ابن سيرين قال: قال أبو بكر) . و هذا إسناد لا يصح، بسبب انقطاعه، لأن ابن سيرين لم يسمع من أبي بكر و لا من علي بن أبي طالب [5] .
و الثالثة- للبلاذري أيضا- إسنادها هو: (المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون:) . و هذا الإسناد لا يصح، لأنه منقطع، فلا يمكن لسليمان التيمي المولود سنة 46 هجرية، و لا لعبد الله بن عون المولود سنة 66 هجرية [6] ، من أن يُحدثا عن أبي بكر، و لا عن علي- رضي الله عنهما-.
و الرابعة-لابن أبي داود- إسنادها هو: (( حدثنا عبد الله قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال: حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين قال:) . وهذا إسناد لا يصح، لأنه منقطع من جهة محمد بن سيرين و علي بن أبي طالب، فهو لم يسمع منه [7] .
و بذلك يتبين جليا أن أسانيد الروايات الشيعية المتعلقة بجمع علي للقرآن، كلها غير صحيحة إسنادا، فلم يصح منها و لا إسناد واحد من جهة. ويُقابلها إسناد الرواية السنية الصحيح من جهة أخرى. و هذا يعني أن الرواية السنية المتعلقة بجمع القرآن صحيحة إسنادا، و الرواية الشيعية المتعلقة بذلك غير صحيحة سندا.
(1) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، حققه مصطفى عبد القادر عطا،، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 3 ص: 85.
(2) محمد المهدي الطبطبائي: الفوائد الرجالية، ط 1، مكتبة الصادق، طهران، 1363، ج 3 ص: 172، 173.
(3) ابن أبي حاتم: المراسيل، ص: 25.
(4) العقيلي: الضعفاء الكبير، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998، ج 3 ص: 367 و ما بعدها. و الذهبي: المغني في الضعفاء، ج 1 ص: 429.
(5) ابن أبي حاتم: المصدر السابق، ص: 32.
(6) الذهبي: تذكرة الحفاظ و ذيوله، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998، ج 1 ص: 113 و ما بعدها. و ابن حجر: تهذيب التهذيب، ط 1، دار الفكر، بيروت، 1984، ج 5 ص: 314.
(7) سبق توثيقه أعلاه.