و من ذلك أيضا أنها-أي الرواية الشيعية- من أجل أخبارها و أفكارها وجدناها تروي و تقرر ما يُخالف حقائق القرآن و التاريخ الصحيح الموافق له، بكل صراحة، كقولها بتحريف القرآن و تكفير الصحابة.
و من ذلك أن الرواية الشيعية كانت أكثر الروايات المذهبية عددا من حيث كثرة الرواة الكذابين و المحرفين و المختلقين للأخبار من جهة، و معظم الرواة المعروفين و المشهورين و المتهمين بالكذب و التحريف و الاختلاق في رواية الأخبار هم من الشيعة من جهة أخرى، كمحمد بن الكلبي، و هشام بن محمد الكلبي، و نصر ابن مزاحم، و مخنف لوط بن يحيى، و محمد بن عمر الواقدي [1] . ... و عليه فإن هذه الرواية همها الأول و الأساسي مذهبها و أفكارها، و لو على حساب الحقيقة العلمية، و من كان هذا حالها لا شك أنها تكون كثيرة الافتراء للروايات و اختلاقها و تحريفها أكثر من غيرها من الروايات المذهبية التي ليس ذلك حالها. و هذا أدى إلى تضخم المرويات و كثرة المتناقضات.
و بذلك يتبن جليا أن أسباب تناقض الروايات السنية و السنية المتعلقة بتاريخ صدر الإسلام، هي أسباب كثيرة و متداخلة فيما بينها و مؤثرة في بعضها أيضا. مثلت فيها الأسباب الدينية و المذهبية و السياسية أسبابا أساسية و رئيسية في كثرة المرويات المكذوبة و المتناقضة. فماذا يعني ذلك؟.
إنه يعني أن ظاهرة تناقض روايات تاريخ صدر الإسلام هي ظاهرة خطيرة جدا، يجب التعامل معها بحزم و حذر، و صرامة و علمية لتمييز صحيح أخبارها من سقيمها. لأنها بذلك الحال هي تحمل مشروعا تدميريا لهدم الجانب الصحيح منها القائم على حقائق القرآن و التاريخ الصحيح الموافق له، و هذا يتطلب منا ضرورة الإسراع للتصدي لها، و القيام بعملية نقد و تمحيص شاملة لذلك التاريخ وفق منهج علمي صارم يجمع بين نقد الإسناد و المتن معا، مع الاستفادة بكل الإمكانات و الوسائل و الطرق الحديثة التي يمكن أن تساعدنا في القيام بذلك العمل.
لكن هل يُمكن القيام بذلك العمل النقدي التمحيصي الشامل لتاريخ صدر الإسلام المتناقض؟!. و هل يُوجد منهج نقدي مفصل يتضمن الخطوات و الخطوط الكبرى الأساسية لذلك المنهج الذي يتولى عملية النقد و التحقيق؟. نعم إن القيام بذلك العمل النقدي ممكن جدا، و منهجه التمحيصي موجود بقسميه التطبيقي و التنظيري التقعيدي. فالتطبيقي يُمثل فيه كتابنا هذا نموذجا ملموسا مُصغرا متواضعا لما يمكن القيام به مُستقبلا من عمل شامل موسع جامع. و أما قسمه التنظيري فهو على العموم موجود و معروف، لكنه يحتاج إلى زيادات و إيضاحات، و تعقيبات و تقعيدات. و قبل تناوله لاحقا، تجب الإشارة هنا إلى أنه توجد إشكالات و قضايا
(1) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه، ص: 47، و 74.