و ثانيا إن الإجابة عن ذلك تكمن في أن هذه الرواية حدث فيها إدراج لكلام الشهاب الزهري -أحد رواة الخبر- في متن الرواية دون إشارة لذلك، فأصبح كلامه جزءا منها، و أصبحت الرواية تتكلم عن موضوعين مختلفين من خلال موضوعها الأصلي. و الدليل على ذلك هو أن الرواية نفسها رواها الطبري في تاريخه و أبو عوانة في مسنده، و عبد الرزاق الصنعاني في مصنّفه، و ذكروا أن الزهري-أثناء روايته للخبر- سأله رجل: هل علي لم يُبايع أبا بكر إلا بعد 6 أشهر؟، فقال له: نعم و لا أحد من بني هاشم بايعه، حتى بايعه علي [1] . فهذه الزيادة المقحمة في الخبر ليس لها إسناد، و لا يٌعد الإسناد الأصلي إسنادا لها، و لا يُعد موضوعها الأساسي موضوعا لها أيضا. و مما يُؤكد ذلك هو أن الرواية نفسها رواها أحمد بن حنبل دون أن يذكر تلك الزيادة المقحمة [2] . و قد ضعّفها الحافظ أبو بكر البيهقي، و قال: إنها زيادة لم يُسندها الشهاب الزهري [3] . فهي إذن رواية مرسلة [4] ،و من المعروف عند المحدثين أن الشهاب الزهري كان كثير الإرسال، و أن مراسيله كالريح ليست بشيء [5] .
و ثالثا أننا إذا حذفنا من رواية البخاري و مسلم الزيادة المُقحمة- أي المدرجة- تصبح تشير بوضوح إلى أن سبب الخلاف بين علي بن أبي طالب و أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- ليس هو الخلافة و البيعة، و إنما هو قضية الميراث، لذا قال أبو بكر لعلي: (( ... و أما الذي شجر بيني و بينكم من هذه الأموال، فلم آل فيها عن الخير، و لم أترك أمرا رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يصنعه فيها إلا صنعته ) ). لكنها-أي الرواية بلا زيادة- أشارت إلى أن عليا بايع أبا بكر في المسجد، فما تفسير ذلك؟ أجاب عن ذلك الحافظ ابن كثير، فذكر أن عليا بايع أبا بكر مرتين، و أن بعض الرواة لم يفهموا ذلك و اعتقدوا أن (( عليا لم يُبايع قبلها -أي بالبيعة الأولي- فنفى ذلك، و المُثبت مُقدم على النافي، كما تقدم و لما تقرر ) )، ثم أكد على أن عليا بايع أبا بكر في أول يوم أو في الثاني من وفاة رسول الله -عليه الصلاة و السلام- لأنة-أي علي- لم يٌفارقه في وقت من الأوقات، و لم ينقطع في الصلوات خلفه، و خرج معه إلى ذي القصة لمحاربة المرتدين، لكن بسبب الميراث و غضب فاطمة من أبي بكر، راعى علي خاطرها بعض الشيء، فلما تُوفيت بعد 6 أشهر من وفاة رسول الله -عليه الصلاة و السلام- رأى -أي علي - أن يجدد البيعة لأبي بكر الصديق كما هو وارد في الصحيحين [6] .
و رابعا إن مما يٌؤيد ما قاله ابن كثير هو أن الحافظ ابن حجر العسقلاني وافقه فيما قاله عن بيعة علي لأبي بكر [7] .و بما أنه سبق و أن أوردنا طائفة من الشواهد التاريخية الصحيحة التي نصت على أن علي بن أبي طالب بايع أبا بكر منذ الأيام الأولى من بيعة السقيفة و لم يتخلف
(1) انظر: تاريخ الطبري، ج 2 ص: 236، 237.و مسند أبي عوانة، ط 1 بيروت، دار المعرفة، 1998 ج 4 ص: 251.و مصنف عبد الرزاق، ط 2، بيروت، المكتب الإسلامي، 1403 ج 5 ص: 473.
(2) فضائل الصحابة، ط 1 بيروت، مؤسسة الرسالة، 1983 ج 1 ص: 362.
(3) ابن حجر: فتح الباري، بيروت، دار المعرفة، 1379 ه ج 7 ص: 494 - 495.
(4) أي أنه أرسلها و أطلقها و لم يكن شاهد عيان لها، و لم يذكر لنا من الذي رواها و كان شاهد عيان فيها. و المرسل في علم مصطلح الحديث هو الحديث الذي سقط منه الصحابي، كأن يقول التابعي مباشرة: قال رسول الله. محمود الطحان: تيسير مصطلح الحديث، الجزائر، دار رحاب د ت، ص: 70.
(5) أبو سعيد العلائي: جامع التحصيل، ط 2 بيروت، عالم الكتب، 1986 ج 1 ص: 37، 99.
(6) ابن كثير: البداية، ج 5 ص: 262، 286.
(7) فتح الباري، ج 7 ص: 494 - 495.