فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 181

و الأمر الثاني هو أنه سبق أن بينا أن أبا بكر الصديق كان على علاقة أخوية حسنة مع علي بن أبي طالب منذ الأيام الأولى من وفاة النبي-صلى الله عليه و سلم-. فقد بايعه طواعية، و صلى خلفه، و تعاون معه [1] . فلو أن أبا بكر فعل ببيت علي يما زعمته الرواية الشيعية ما كانت العلاقة بينهما كما ذكرناها.

و يرى الشيخ تقي الدين بن تيمية أنه على فرض وجود أصل صحيح لهذه الحادثة- كبس أبي بكر لبيت فاطمة- فإنه غاية ما يقال: (( إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه، وأن يعطيه لمستحقه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز، فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء. وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين. و إنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين، ويصدقه حمقى العالمين الذين يقولون: إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، و ضربوا بطنها حتى أسقطت. وهذا كله دعوى مختلق، و إفك مفترى باتفاق أهل الإسلام، ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام ) ) [2] .

و أما الموضوع الأخير- الثالث- فيتعلق بدعاء صنمي قريش، إنه دعاء غريب و خطير جدا، يقطر دما و حقدا، و كراهية للشيخين و للصحابة و أتباعهم. إنه لعنهم، و ضلّلهم، و كفّرهم. هذا الدعاء لا يصح إسنادا و لا متنا، فأما إسنادا فقد سبق بيانه، و أما متنا فهو مردود و باطل بأدلة الشرع و التاريخ الصحيح الكثيرة و المتنوعة، و قد فصلناها في مبحثنا هذا. و واضح منه أنه دعاء مُختلق وُضع لمناقضة الأخبار الصحيحة في حسن العلاقة بين علي بن أبي طالب و إخوانه الخلفاء الراشدين الآخرين. و إنه وُضع بذلك الأسلوب الحاقد لرد و مناقضة ما صح عن علي أنه قال لأبي بكر الصديق: (( إلى أين يا خليفة رسول الله، أقول لك ما قاله رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يوم أحد: لَم سيفك، و لا تفجعنا بنفسك، و أرجع إلى المدينة، فوالله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا، فسمع منه و رجع ) ) [3] . و قوله في عمر بن الخطاب ((: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، و أيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، و حسبت إني كنت كثيرا أسمع النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا و أبو بكر وعمر ) ) [4] .

و بذلك نكون قد أنهينا هذا المبحث، و منه يتبين مدى التناقض الصارخ و الكبير بين الروايتين السنية و الشيعية في موقفيهما من علاقة علي بن ابي طالب بإخوانه الخلفاء الراشدين الآخرين-رضي الله عنهم اجمعين-. إنهما صورتان متناقضتان أثبت التحقيق العلمي عدم صحة الرواية الشيعة إسنادا و متنا، مقابل الرواية السنية التي صحت إسنادا و متنا، و أثبتت أن علاقة علي بن أبي طالب

(1) سبق توثيق ذلك.

(2) منهاج السنة النبوية، ج 8 ص: 291.

(3) ابن كثير: البداية، ج 6 ص: 707.و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص: 75.

(4) البخاري: المصدر السابق، ج 5 ص: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت