فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 181

و الشاهد الأخير- الثالث- هو أنه لو كان أبو بكر الصديق أساء لفاطمة و علي بسبب حادثة الميراث، و حدث بينهم نزاع كبير، و خلاف طويل و عريض ما كانت علاقة علي بأبي بكر علاقة حب و تعاون و ثناء منذ الأيام الأولى من خلافة أبي بكر و ما بعدها. و قد سبق أن ذكرنا أخبارا صحيحة عن حسن تلك العلاقة، كقول أبي بكر للحسن: (( بأبي شبه النبي ... ليس شبيها بعلي. و علي يضحك ) ) [1] . و قول علي للصديق (( إلى أين يا خليفة رسول الله؟، أقول لك ما قاله رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يوم أحد: لَم سيفك، و لا تفجعنا بنفسك، و أرجع إلى المدينة، فوالله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا، فسمع منه و رجع ) ) [2] .

و أُشير هنا إلى أن الرواية الشيعية استغلت الحادثة للطعن في أبي بكر و خدمة أهداف مذهبية مُبيتة، على حساب الحقيقة التاريخية. بدليل الشاهدين الآتيين: الأول هو أن حديث: (( لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ) )لم تنفرد به المصادر السنية، و إنما روته أيضا كثير من المصادر الشيعية، عن بعض أئمتهم، منها كتاب الكافي للكليني، و الأمالي للصدوق، و الاختصاص للمفيد، و التبيان للطوسي، فروت عن جعفر الصادق قال: (( ... وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ) ) [3] .

و الشاهد الثاني مفاده هو أن الرواية الشيعية في الوقت الذي اتهمت أبا بكر بظلم فاطمة و الإساءة إليها بحرمانها من ميراث أبيها-كأرض فدك-، نسيت أو تناست أن مذهبها حرّم على النساء أن يرثن من الدور و من العقار شيئا، و لم تستثن منهن فاطمة. و الدليل على ذلك أنهم رووا عن محمد الباقر أنه قال: (( النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئا ) ) [4] .،و في رواية (( ليس للنساء من الدور والعقار شيء ) ) [5] .

و أما الموضوع الثاني فيتعلق برواية كبس أبي بكر الصديق لبيت فاطمة و كشفه، و هي رواية بالغت الرواية الشيعية في تضخيمها و توجيهها توجيها مذهبيا، للطعن في أبي بكر، و القول بظلمه لعلي بن أبي طالب و أهله. و هذا لا يصح، لأن هذه الرواية ضعيفة إسنادا و متنا. فأما إسنادا فقد سبق أن بينا عدم صحتها إسنادا في نقدنا لأسانيد الرواية الشيعية. و أما متنها فهو غير صحيح لضعف إسنادها، و لأنه لا يصح ذلك في حق أبي بكر الصديق لأمرين: الأول هو أن ذلك الفعل يتنزه عن القيام به المسلم العادي، فكيف يقوم به صحابي جليل، و خليفة راشد مشهود له بالجنة؟؟!!.

(1) أحمد بن حنبل: المسند، ج 4 ص: 17. و البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 187.

(2) ابن كثير: البداية، ج 6 ص: 707.و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص: 75.

(3) الكليني: الكافي، ج 1 ص: 102، 149. الصدوق: الأمالي، ص: 187. و المفيد: الاختصاص، ص: 19. و الطوسي: التبيان، ج 8 ص: 91.

(4) الكليني: الكافي، ج 7 ص: 220، و الطوسي: الاستبصار، ج 4 ص: 290.

(5) نفس المصدر، ج 7 ص: 224. و نفسه، ج 4 ص: 290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت