و الرابع مفاده أن الحافظ الذهبي روى أن جعفر الصادق قال: (( برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر ) ). ثم عقّب الذهبي على ذلك بقوله: (( قلتُ: هذا القول متواتر عن جعفر الصادق، وأشهد بالله إنه لبار في قوله غير منافق لأحد ) ) [1] .
و آخرها ذكرته رواية شيعية مفادها: عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله- جعفر الصادق- إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه، فقال أبو عبد الله: أيسرك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسة، قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما [2] فقال لها: توليهما؟ قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما، قال: نعم ... )) [3] .
و قبل إنهاء هذا المبحث أُشير هنا إلى ثلاثة مواضيع هامة تتعلق بالرواية الشيعية: أولها قضية ميراث النبي-عليه الصلاة و السلام- وما حدث حوله من خلاف بين أبي بكر و فاطمة-رضي الله عنهما-. فأقول: أولا إن الرواية الشيعية بالغت في تضخيم الحادثة، و حملتها ما لا تحتمل، و وجهتها وجهة مذهبية مُبيتة سلفا. لأن ما حدث كان أمرا عاديا و لم يكن إساءة و لا ظلما من أبي بكر لفاطمة و لا لعلي، و لا للآخرين الذين لهم الحق في ميراث النبي- عليه الصلاة و السلام- كزوجاته، و عمه العباس. و إنما كان تطبيقا عمليا للحديث النبوي الصحيح الذي يقول: (( لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ) ) [4] .
و ثانيا إن الدليل على ما ذهبنا إليه هو الشواهد الآتية: أولها هو إن ذلك الحديث لم ينفرد به أبو بكر وحده كما زعمت الرواية الشيعية، و إنما كان يعلمه كثير من الصحابة، منهم: علي، و العباس، و حذيفة بن اليمان، و طلحة، و عمر، و سعد بن أبي وقاص [5] . و بما أن عليا كان على علم به فلا يصح أن يُخالف أبا بكر في موقفه، و لا أن يبقى مُتفرجا فيما حدث من خلاف بينه زوجته و أبي بكر!!. فلا بد أن يتدخل و يُبين لزوجته حقيقة الأمر، فهذا هو المطلوب شرعا و عقلا.
و الشاهد الثاني مفاده هو أنه لا يصح شرعا و لا عقلا أن فاطمة-رضي الله عنها- تسمع الحديث النبوي من أبي بكر الصديق و زوجها علي-رضي الله عنهما- ثم أنها تبقى مصرة على موقفها، و غاضبة على أبي بكر. لأن هذا الموقف حرام شرعا، و مرفوض عقلا، و لا يليق أن يصدر عن مسلم عادي، فكيف يُقال أنه صدر عن فاطمة بنت رسول الله؟؟!!. و عليه فإن ما روته الرواية الشيعية من مبالغات و مخالفات شرعية و تهويلات في موقفها لا يصح في حقها.
(1) الذهبي: المصدر السابق، ج 6 ص: 260.
(2) هما أبو بكر و عمر- رضي الله عنهما-.
(3) الكليني: الكافي، ج 8 ص: 214، 892.
(4) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 89.
(5) مسلم: الصحيح، ج 5 ص: 151. و الترمذي: السنن، ج 3 ص: 82. و النسائي: السنن الكبرى، ج 4 ص: 49. و الهيثمي: مجمع الزوائد، ج 4 ص: 407.