و أُشير هنا إلى أنه يُستنتج من تلك الأقوال الكثيرة و المتنوعة أن الروايات الواردة في المصادر الشيعية اتفقت مع الواردة في المصادر السنية على أن علاقة علي بن أبي طالب بالخلفاء الراشدين كانت علاقة حب وإخاء و تعاون. و هذا اتفاق منها فيما بينها في ذلك، و مُخالَفة منها للرواية الشيعية من جهة، و اتفاق منها أيضا مع ما قرره القرآن الكريم عن إيمان الصحابة و أخوتهم، و صلاحهم و استقامتهم من جهة أخرى. و هذا يعني أن الرواية الشيعة-القائلة بسوء العلاقة- هي المخالفة للقرآن الكريم و لتلك الروايات، و هذا دليل قاطع و دامغ على بطلانها.
و الشاهد الأخير- الخامس في الرد على الرواية الشيعية- يتضمن أقوالا لبعض كبار آل علي- رضي الله عنهم- تُعبر عن حبهم و تقديرهم للشيخين من جهة، و تدل على حقيقة العلاقة التي كانت تجمع بين علي و إخوانه الخلفاء الثلاثة - رضي الله عنهم- من جهة أخرى. فلو كانت علاقة عداء و يغص-كما تزعم الرواية الشيعية- ما صدرت تلك الأقوال عن هؤلاء، لأنهم كانوا على نهج علي بن أبي طالب في موقفه من أبي بكر و عمر و عثمان- رضي الله عنهم-. و سأذكر منها خمسة أقوال كشواهد على ما ذكرته، منها قول لمحمد الباقر، و الباقي لابنه جعفر الصادق.
أولها مفاده: (( عن عروة بن عبد الله قال: أتيت أبا جعفر محمد بن علي فقلت: ما قولك في حلية السيوف؛ فقال: لا بأس قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. قال فقلت: و تقول الصديق! قال: فوثب وثبة، واستقبل القبلة، ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق ثلاث مرات، فمن لم يقل له الصديق، فلا صدق الله له قولا في الدنيا ولا في الآخرة ) ) [1] .
و الثاني قول لجعفر الصادق ورد في كتابه المناظرة، مفاده أنه قال: (( قال جعفر: لأبي بكر مثلها، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} -سورة الحشر:10 - فأبو بكر هو السابق بالإيمان، فالاستغفار له واجب ومحبته فرض وبغضه كفر ) ) [2] .
و الثالث قول لجعفر الصادق ختم به كتابه المناظرة، عندما قال له مناظره: (( أيقبل الله توبتي مما كنت عليه من التفريق بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ قال: نعم، باب التوبة مفتوح، فأكثر من الاستغفار لهم. أما انك لو مت وأنت مخالفهم مت على غير فطرة الإسلام، وكانت حسناتك مثل أعمال الكفار هباءً منثورًا. فتاب الرجل ورجع عن مقالته وأناب ) ) [3] .
(1) أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، ج 1 ص: 154. و الذهبي: السير، ج 4 ص: 408.
(2) جعفر الصادق: المناظرة في التفضيل بين أبي بكر و علي، ط 1، حققه علي آل شبل، دار الوطن للنشر، السعودية، 1417، ص: 124.
(3) نفس المصدر، ص: 136.