و إسناد الرواية الخامسة رواه محمد الصفار القمي (ت 290هجرية) ، بقوله: (( حدثنا عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان، عن أبيه سليمان الديلمى، عن هارون بن الجهم، عن سعد الخفاف عن أبى جعفر-الباقر- قال: ) ).و هذا إسناد لا يصح، لعنعنته غير الصحية [1] ، و ضعف رجاله، منهم: هارون بن الجهم معدود في الضعفاء، و سعد الخفاف- سعد بن طريف الحنظلي- ضعيف متروك، ليس بالقوي، مُتهم بوضع الحديث على الفور، و فيه غلو [2] . و هو مُنقطع أيضا من جهة أبي جعفر الباقر، فلا يُمكنه التحديث بلا واسطة عن حادثة وقعت لعلي بن أبي طالب.
و أما الرواية الشيعية الأخيرة -المتعلقة برواية دعاء صنمي قريش-، فقد رواها حسين الحِلي بلا إسناد، و قد بحثت عن إسنادها فلم أعثر عليه في كتب الشيعة، و لا في كتب غيرهم. لذا يبدوا أن هذا الدعاء لا إسناد له، و من ثم فلا أصل له معروف، و الله أعلم.
و من ذلك يتبين أن كل الروايات الشيعة-المتعلقة بعلاقة علي بن أبي طالب بالخلفاء الراشدين- لم تصح أسانيدها. و هذا خلاف الروايات السنية التي صحت أسانيدها كلها.
و فيما يخص النقد المتني لتلك الروايات، فإن متن الرواية السنية صحيح بدليل الشواهد الآتية: أولها هو أنه متن له مُستند قطعي يقيني من القرآن الكريم، و له مستند صحيح من السنة النبوية [3] و التاريخ الصحيحين. و هذا ينعكس قوة و تصحيحا للمتن كله.
و ثانيها إنه متن يتفق تماما مع ما أثبتناه في المبحث السابق- الثالث- من أن الصحابة كانوا مؤمنين صالحين، متعاونين مُتآخين زمن نبيهم و بعده-عليه الصلاة و السلام-. و بما أن الأمر كذلك، و علاقة علي بالخلفاء الراشدين جزء من تلك العلاقة الحسنة، فإن هذا يعني أن علاقة علي بن أبي طالب بإخوانه الراشدين-رضي الله عنهم- هي أيضا كانت علاقة أُخوية إيمانية حسنة.
و الشاهد الأخير- الثالث- هو أن متن الرواية السنية يتقوى و يصح بمناقشة الرواية الشيعية و إثبات عدم صحتها. و قد سبق أن بينا عدم صحة كل أسانيد هذه الرواية من جهة، و سنبين حقيقة متنها قريبا من جهة أخرى. و هذا كله سيكون في صالح الرواية السنية التي هي على نقيض الرواية الشيعية. بحكم أنهما نقيضان لا يرتفعان و لا يجتمعان في موقفيهما من الصحابة عامة، و علاقة علي بالخلفاء الراشدين خاصة.
(1) لم أعثر على ما يثبت سماع هؤلاء من بعضهم.
(2) عنهما أنظر: الذهبي: المغني في الضعفاء، ج 2 ص: 189. و ميزان الاعتدال، ج 3 ص: 100، 185. و عبد الرحمن الزرعي: رجال الشيعة في الميزان، ص: 127.
(3) سبق أن ذكرنا -في المبحث السابق- ثناء النبي-عليه الصلاة و السلام- على الخلافة الراشدة، و حثه لنا على الاقتداء برجالها.