و فيما يخص حديث (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ). فيجب فهمه في إطار النصوص الشرعية كلها، و لا نفهمه فهما جزئيا. و هو من باب التحذير و التنبيه، و لا ينطبق على ما حدث بين الصحابة في الفتنة، و قد بينا سبب ذلك. لكنه ينطبق على الفرق الضالة المنحرفة التي انفصلت عن الأمة، و كفّرتها و حاربتها.
و الشاهد الرابع-على بطلان زعم الرواية الشيعية المكفرة للصحابة- يتمثل في الدليل التاريخي فهو يشهد على أن الذين كانوا من الصحابة مع علي ابن أبي طالب أثناء الفتنة كانوا أكثر من ثلاثة، أو أربعة، كما زعمت الرواية الشيعية. منهم-من غير الذين ذكرتهم الشيعية- ابن عباس، و الحسن بن علي، و الحسين بن علي، و سهل بن حنيف، و عثمان بن حنيف، و جابر بن عبد الله، و خوات بن جبير، و قيس بن سعد بن عبادة، و عدي بن حاتم [1] . فلو كان هؤلاء- و غيرهم- قد ارتدوا ما التحقوا به، و لا حاربوا معه.
علما بأن الرواية الشيعية متناقضة مع نفسها أيضا، فهي في الوقت الذي زعمت فيه أن ثلاثة من الصحابة لم يرتدوا بعد النبي-عليه الصلاة و السلام-،و الباقي كلهم ارتدوا روت خبرا شيعيا نص صراحة على أن 12 من المهاجرين و آخرين من الأنصار لم يرتدوا بعد وفاة النبي، و أنكروا خلافة أبي بكر، و كانوا يُؤمنون بإمامة علي بن أبي طالب [2] . و مع أن هذه الرواية هي أيضا لا تصح [3] ، إلا أننا استخدمناها هنا جدلا و فرضا، للرد على بطلان ما زعمته الرواية الشيعية السابقة بكفر الصحابة و ردتهم من جهة، و إظهار أنها رواية متناقضة من داخلها من جهة ثانية.
و أما بالنسبة للرواية السابعة -رواها الكليني- التي استدلت على إمكانية كفر الصحافة و انحرافهم بعد وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام - بالقرآن الكريم؛ فهو استدلال لا يصح. و تفصيل ذلك هو أنها روت أن الباقر استدل بقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} -سورة آل عمران:144 - . و هذا استدلال لا يصح، لأن هذه الآية هي من باب التحذير و التخويف، و ليست من باب التقرير لواقع الصحابة، أو الإخبار عما سيحدث لهم في مستقبلهم. كما أنه يجب أن تُفهم هذه الآية على أساس الفهم الكلي للقرآن و الآيات الأخرى المتعلقة بالصحابة، التي زكتهم و مدحتهم، و شهدت لهم بالإيمان و العمل الصالح.
(1) أنظر مثلا كتابنا: بحوث حول الخلافة و الفتنة الكبرى، ص: 127 و ما بعدها.
(2) الطبرسي: الاحتجاج، ج 1 ص: 162 و ما بعدها.
(3) سنناقشها إسنادا و متنا لاحقا بحول الله تعالى.