دخولهم الجنة، فهو سبحانه علام الغيوب لا يغيب عنه شيء في الأرض و لا في السماء.
و المعطى الأخير- الثالث- هو قوله سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شيئا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة النور:55 - . فالله تعالى وعد الصحابة-رضي الله عنهم- بالنصر و الأمن، و التمكين لهم و لدينهم في الأرض، بشرط: إن هم آمنوا و عملوا الصالحات، و عبدوه و لم يُشركوا به شيئا، ثم حذّرهم من مغبة انحرافهم إن هم لم يلتزموا بما اشترطه عليهم. و بما أن التاريخ المتواتر يشهد على أن الله تعالى حقق للصحابة بعد نبيهم-عليه الصلاة و السلام- بما وعدهم به، فكوّنوا الخلافة الراشدة، و نشروا العدل و الأمن، و فتحوا الأقاليم، و أطاحوا بدولتي الفرس و الروم، و نشروا الإسلام و أظهروه على الدين كله. فإن كل هذا يعني- بالضرورة - أن الصحابة كانوا مؤمنين صالحين بعد نبهم، و قد توفرت فيهم شروط النصر التي اشترطها الله تعالى عليهم: الإيمان و العمل الصالح، و العبادة دون إشراك. فلو لم يلتزموا بتلك الشروط ما تحقق فيهم الوعد الإلهي.
و أما إذا قيل: إن الصحابة اختلفوا و اقتتلوا في موقعتي الجمل و صفين، و من ثم فهم ارتدوا و كفروا ,و قد جاء في الحديث الصحيح: (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ) [1] . فأقول: إن ما حدث بين الصحابة في موقعتي الجمل و صفين كان قتال فتنة و لم يكن قتال كفر و لا ردة. بدليل أنه صح الحديث أنه النبي-عليه الصلاة و السلام- قال لمحمد بن مسلمة الأنصاري-الذي اعتزل الفتنة-:"لا تضرك الفتنة" [2] . و هذا الذي حدث بين الصحابة كان مبنيا على تأويل و اجتهاد، و لم يكن مبنيا على ظلم وكفر و انحراف عن الشرع، و هو يندرج ضمن قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} -سورة الحجرات:9 - . فيمكن إذن أن يحدث القتال بين المؤمنين، و مع اقتتالهم فهم إخوة مؤمنون، و يجب الإصلاح بينهم، و هذا نصت عليه تلك الآيات صراحة.
و الدليل على ذلك أيضا قول النبي-عليه الصلاة و السلام - في الحسن بن علي-رضي الله عنهما-: (( ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ) ) [3] . فسمى النبي الفئتين المتقاتلتين مسلمين، و لم يصفهم بالكفر، و لا بالضلال، و لا بالردة، و استحسن ما حدث بينمها من صلح على يد الحسن.
(1) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 35.
(2) أبو داود: السنن، حققه محمد اللحام، دار الفكر، بيروت، ج 2 ص: 628.
(3) البخاري: المصدر السابق، ج