الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا -سورة الفتح:18 - ،و"وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» -سورة التوبة:100 - ، و {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شيئا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة النور:55 - ."
تلك الآيات- و غيرها- هي أدلة قطعية دامغة على إيمان الصحابة و استقامتهم و صلاحهم زمن رسول الله و بعد وفاته-عليه الصلاة و السلام-. و أية رواية تُخالف ذلك فهي رواية باطلة بالضرورة، لأنه لا يُمكن لخبر ظني أحادي أن يرد أو يُبطل خبرا قطعيا يقينيا متواترا من جهة، و لا يُمكن لقول بشر أن يتقدم على قول الخالق عزّ وجل من جهة أخرى.
و أما إذا قيل: إن تلك الآيات شهدت للصحابة بالإيمان و العمل الصالح زمن النبي فقط، و لم تشهد لهم بذلك من بعده؛ و لهذا فهم ارتدوا بعده و كفروا كلهم إلا ثلاثة أو أربعة. فإننا نقول: هذا القول لا يصح، و هو تحريف للقرآن و توجيه سيء له لغايات في نفوس قائليه، بدليل المعطيات الآتية: أولها هو أنه لو كان الصحابة سيرتدون و يكفرون بعد نبيهم ما وصفهم الله تعالى بأنهم خير أمة أخرجت للناس بإيمانهم و أعمالهم الصالحة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} -سورة آل عمران:110 - . و بما أن الله تعالى عالم الغيب و الشهادة، و علام الغيوب، و يعلم السر و أخفى، فإنه لن يصفهم بذلك لو كانوا سيرتدون بعد نبيهم، و سيصفهم بخلافه، و أنهم شر أمة أُخرجت للناس، لأنهم آمنوا بالنبي الخاتم و نصرهم الله به، ثم ارتدوا بعد وفاته!!. و بما أن هذا لم يحدث دلّ-بالضرورة- على أن الصحابة كانوا خير أمة زمن نبيهم و بعده-عليه الصلاة و السلام-.
و المعطى الثاني هو قوله سبحانه:"وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» -سورة التوبة:100 - . و هذا دليل قطعي على أن الله تعالى قد رضي على السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار، و بشّرهم بدخول الجنة، و جعلهم قدوة للذين اتبعوهم بإحسان. و هو سبحانه قد ميزهم عن الذين اتبعوهم بإحسان بأنهم"السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصار"، و هؤلاء معروفون يمكن تحديدهم، كخديجة، و أبي بكر، و علي، و زيد بن حارثة، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و عمر، و ابن عمر، و زيد بن ثابت و غيرهم كثير. و لو كانوا سيرتدون ما جعلهم قدوة حسنة لغيرهم و لمن اتبعهم بإحسان، فلا يصح أن يجعلهم كذلك و هم سيرتدون!!. و لو كان هؤلاء سيكفرون بعد نبيهم، ما وصفهم الله تعالى بذلك، و ما شهد لهم بالرضا عنهم و"