فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 181

و أما استدلاله الثاني بالقرآن، فقد ذكرت الرواية أنه -أي الباقر- قال أيضا: أو ليس قد أخبر الله عز وجل عن الذين من قبلهم من الأمم أنهم قد اختلفوا من بعدما جاءتهم البينات حيث قال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} -سورة البقرة:253 - . و هذا استدلال ضعيف و لا يصدق على الصحابة، لأن الآية وصفت ما حدث في الماضي لبعض الأنبياء مع أقوامهم، و ليس فيها أنه سيتكرر -بالضرورة-مع محمد-عليه الصلاة و السلام- و أصحابه، و إذا تكرر فليس بالضرورة أنه سيتكرر معهم، فقد يتكرر مع أقوام آخرين. و بما أن هذا مجرد احتمال، و أن الثابت قطعا-و قد سبق بيانه- أن القرآن الكريم نص صراحة على إيمان الصحابة و صلاحهم و استمرارهم على ذلك بعد نبيهم-عليه الصلاة و السلام-، فإن ذلك الاستدلال المحتمل يسقط و لا يصح افتراضه و لا الأخذ به فيما يتعلق بالصحابة.

و بذلك يسقط أيضا تعليق الكُليني عندما عقّب على تلك الرواية بقوله: (( وفي هذا ما يستدل له على أن أصحاب محمد - صلى الله عليه وآله- قد اختلفوا من بعده فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) ). إنه قول لا يصح، لأن أصحاب محمد -عليه الصلاة و السلام- شهد لهم الوحي الصحيح، و العقل الصريح، و التاريخ الصحيح، بالإيمان و العمل الصالح في حياة نبيهم و بعده. و لا يصح أيضا لأن ما حدث بين الصحابة حول الخلافة كان اختلاف تنوع لا اختلاف تناقض و ردة. و القتال الذي حدث بينهم في موقعتي الجمل و صفين كان قتال فتنة لاختلافهم في التأويل و الاجتهاد، و لم يكن اقتتال كفر و ردة [1] .

و أما ما ورد في الرواية الشيعية الخامسة من طعن في أم المؤمنين السيدة عائشة-رضي الله عنها-، فهو زعم باطل، و تأويل فاسد للشرع. و تفصيل ذلك هو أن ما زعمته تلك الرواية بأن جعفر الصادق قال في قوله تعالى: {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} -سورة النحل:92 -: (( التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا عائشة هي نكثت إيمانها ) ) [2] . و هذا تفسير باطل، و لا يصح عن جعفر الصادق، و لا عن أحد من كبار آل علي- رضي الله عنهم-، فهم أجل من أن يقولوا بهذا التفسير المُحرّف للنصوص الشرعية. لأن الآية لا علاقة لها بالإيمان و الكفر من جهة، و لا يصح إسقاطها على عائشة أم المؤمنين التي سماها الله تعالى بذلك-مع غيرها من زوجات النبي-،و التي أنزل براءتها من فوق سبع سموات من جهة أخرى. و لا يصح أن نسل جزءا من سياقه في آيته، ثم نحمله ما لا يحتمل، و نوجهه حسب مصالحنا و أهوائنا. و الآية واضحة أنها تتعلق بالأيمان و العهود، فنهانا الله تعالى من أن نجعلها دخلا بيننا كالمرأة التي نقضت غزلها في قوله سبحانه: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} -سورة النحل:92 - . فلماذا هذا التحريف المُتعمد للطعن في أم المؤمنين؟،و لماذا هذا التلاعب بالقرآن و الأخبار التاريخية؟.

و الشاهد الخامس- في الرد على الرواية الشيعية المُكفرة للصحابة- مفاده هو أنه صحت روايات عن الرسول-صلى الله عليه و سلم- شهد فيها لكبار الصحابة -الذين كفّرتهم الراوية الشيعية- بالإيمان و دخولهم الجنة، و حبه لهم، و في بعضها ثناء على دولتهم الراشدة، و حث على الاقتداء بهم. من ذلك أنه-عليه الصلاة و السلام- شهد لعشرة من أصحابه بدخول الجنة، و هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، والزبير بن العوام- رضي الله عنهم- [3] . و قال-عليه الصلاة و السلام-"اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر و عمر، و اهتدوا بهدي عمار، و تمسكوا بعهد ابن مسعود" [4] . و قوله"قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك و من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ و عليكم بالطاعة و إن عبدا حبشيا، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد" [5] .و قوله عليه الصلاة و السلام:"الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون بعد ذلك ملكا" [6] . و بما أن الرسول قال فيهم ذلك، دلّ هذا على أنهم كانوا مؤمنين صالحين بعد وفاته-عليه الصلاة و السلام- لأنه لو كانوا سيرتدون و يكفرون، لأخبره الله تعالى بذلك، و ما شهد لهم بدخول الجنة، و ما مدح زمانهم من بعده.

و الشاهد السادس- للرد على الرواية الشيعية- هو أنه صحت الأخبار من عدة طرق عن علي بن أبي طالب و بعض كبار آل بيته- رضي الله عنهم- أنهم لم يكفروا الصحابة و لا سبوهم. بل صحّ عنهم أنهم مدحوا الشيخين، و اعترفوا بفضلهما و خلافتهما، و قد صرّحوا علانية بأفضلية الشيخين أبي بكر و عمر على علي بن أبي طالب نفسه [7] . و روى الذهبي-بإسناد حسن- أن عليا قال في عبد الله بن مسعود: (( قرأ القرآن، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فقيه في الدين، عالم بالسنة ) ) [8] .و قد صنف المحقق محمد بن علي الشوكاني اليماني كتابا سماه: إرشاد الغبي إلى مذهب آل البيت في صحب النبي، ذكر فيه إجماعهم-أي آل البيت- من ثلاثة عشر طريقا على عدم ذكر الصحابة بسب أو ما يُقاربه [9] . فلو كان الصحابة ارتدوا و كفروا، و منعوا عليا و بنيه حقهم في الإمامة -كما زعمت الرواية الشيعية-

(1) للتوسع في هذا الموضوع أنظر كتابنا: بحوث حول الخلافة و الفتنة الكبرى، ط1، دار كنوز الحكمة، الجزائر، 2009.

(2) محمد العياشي: تفسير العياشي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران، ج 2 ص: 32.

(3) صالح العثيمين: شرح رياض الصالحين، ج 4 ص: 49.

(4) الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة، دار المعارف، الرياض، ج 3 ص: 307.

(5) نفس المرجع، ج ج ص: 11.

(6) نفس المرجع، ج 1 ص: 458.

(7) سنتوسع في ذلك و نوثقه في المبحث الآتي-الرابع-.

(8) الذهبي: السير، ج 1 ص: 492.

(9) الشوكاني: البدر الطالع، ج 1 ص: 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت