تلك التساؤلات-و غيرها- سيجيب عليها تحقيقنا الإسنادي و المتني للروايتين السنية و الشيعية. فمن جهة الإسناد فإن الرواية السنية إسنادها صحيح، لأنها اعتمدت على النص القرآني و الخبر التاريخي الصحيح. و تفصيل ذلك هو أن القرآن الكريم نص قطعي يقيني الثبوت، فهو كلام الله المحكم الذي لا يأتيه الباطل أبدا من جهة، و هو مصدر وصلنا بالتواتر: إسنادا، و حفظا، و تدوينا من جهة أخرى.
و أما الخبر التاريخي فإسناده صحيح أيضا لأنه موافق للمصدر القرآني و مُعتمد عليه، و لأنه صحت أسانيده التي روته، بالتواتر و التحقيق. من ذلك أنه من الصحيح و المتواتر أن الصحابة اختلفوا في موضوع الخلافة، ثم اتفقوا على بيعة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-، و جمعوا القرآن الكريم، و وحدوا الأمة، و حاربوا المرتدين، و فتحوا الفتوح، و بايعوا كلهم عمر ابن الخطاب-رضي الله عنه-. و هذه الأخبار و أمثالها من المتواترات التي لا تحتاج إلى توثيق، فهي صحيحة بالضرورة التاريخية.
و أما أسانيد الرواية الشيعية، فهي لا تتمتع بالإسناد اليقيني المتواتر الذي تميزت به الرواية السنية. و إنما هي أسانيد ظنية أحادية لا بد من إخضاعها للنقد الإسنادي لمعرفة حقيقتها. فبالنسبة لإسناد الرواية الشيعية الأولى، و هو: (( حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر-الباقر- قال: ) ). فإن إسنادها هذا لا يصح، لأنه مُعنعن كله، و عنعنته لم أعثر على أحوال رواتها لإثبات سماعهم. و لأنه مُنقطع بين الكليني و حنان بن سدير المعاصر لجعفر الصادق، و المُتوفى قبل سنة 183 هجرية [1] ، فلا يمكنه التحديث عنه. و لأن من رجاله: والد حنان، و هو: سدير بن حكيم الصيرفي، ليس بثقة، متروك، مُتهم بالكذب [2] . و لأنه مُنقطع أيضا بين الباقر و الحادثة التي حدّث بها التي تعود فترة ما بعد وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام-، فقد تحدث عن واقعة لم يكن شاهد عيان لها.
و أما إسناد الرواية الثانية، فهو: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن أورمة، عن النضر، عن يحيى بن أبي خالد القماط، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر- الباقر-: )) . و إسنادها هذا لا يصح أيضا لعنعنته، و انقطاعه، و ضعف بعض رجاله، و جهالة بعضهم. فعنعنته لم أعثر على أحوال رواتها ما يُثبت اتصالها، فهي بذلك في حكم المنقطع. و أما ضعفه، فمحمد بن أورمة ضعيف مُخلط فيه غلو، و حمران بن أعين ضعيف ليس بثقة، و يحيى بن أبي خالد مجهول الحال [3] . و كذلك هؤلاء العدة من الأصحاب، فهي عبارة مُبهمة غير مفهومة لدينا، و رواتها مجهولون بالنسبة إلينا، و لم أعثر على ما يُثبت تعيينهم بطريقة صحيحة. و هو مُنقطع أيضا من جهة أبي جعفر الباقر الذي لا يُمكنه التحديث عن تلك الحادثة دون وساطة، لأنه لم يكن شاهد عيان لها.
و إسناد الثالثة مفاده: (( حنان عن أبيه، عن أبي جعفر- الباقر- قال: قلت له: ) ). و هذا إسناد لا يصح، لأنه هو نفسه إسناد الرواية الشيعية الأولى، و قد بينا سبب عدم صحته، فلا نعيده هنا.
و إسناد الرواية الرابعة ذكره المفيد بقوله: (( حدثني محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن سليمان بن داود الرازي، وحدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثني سعد بن عبد الله، عن علي بن سليمان، عن علي بن أسباط، عن أبيه أسباط بن سالم قال: قال أبو الحسن موسى ابن جعفر: ) ). و هذا إسناد لا يصح، لأنه مُعنعن في خمسة مواضع، و لم أعثر من أحوال رواته ما يُثبت سماعهم، و هذا يعني أنه غير ثابت الاتصال. و لأن من رجاله ضعفاء، و أحدهم مجهول الحال، و هم: المفيد مؤلف الكتاب، هو من رجال الإسناد، و هو ضعيف من جهة عدالته، فجرّحوه بسبب غلوّه و طعنه في الصحابة و التابعين و أئمة المجتهدين [4] . و علي بن سليمان (ابن يوسف البزاز، أو ابن رشيد البغدادي) ، كلاهما مجهول الحال [5] . و علي بن أسباط معدود في الضعفاء [6] . و هو مُنقطع أيضا من جهة موسى بن جعفر الصادق، الذي لا يُمكنه التحديث بذلك الخبر دون واسطة من رواة آخرين يُوصلوه إلى النبي-عليه الصلاة و السلام-.
و أما إسناد الرواية الخامسة، فقد ذكره المفسر العياشي بقوله: (( عن عبد الرحمن بن سالم الأشل عنه-أي جعفر الصادق- قال: ) ). و هذا الإسناد لا يصح لانقطاعه، و ضعف أحد رواته. فهو ظاهر الانقطاع لأن ابن سالم الأشل كان معاصرا لجعفر الصادق المتوفى سنة 148 هجرية، و المؤلف العياشي- راوي الخبر - تُوفي نحو سنة 320 هجرية، و هذا الراوي-أي ابن سالم الأشل- ضعيف [7] .
و إسناد الرواية السادسة ذكره أيضا العياشي بقوله: (( عن أبى بصير عن جعفر بن محمد قال: ) ). و هذا إسنا لا يصح أيضا، لانقطاعه، و ضعف راويه. فهو ظاهر الانقطاع كالذي ذكرناه في الإسناد السابق، لأن العياشي لم يلحق بأبي بصير المعاصر لجعفر الصادق. و هذا الأخير-أي جعفر- لا يُمكنه التحديث عن أحوال يوم القيامة دون واسطة من رواة آخرين يُوصلوه إلى الرسول-عليه الصلاة و السلام -فلا يُمكنه التحديث عنه من دونها. و أبو بصير- ابن البختري- هذا ضعيف مطعون فيه [8] .
و الإسناد الأخير- للرواية الشيعية السابعة- ذكره الكليني بقوله: (( ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر- الباقر-: ) ).و هذا إسناد
(1) عبد الحسين الشبستري: أصحاب الإمام الصادق، ج 4 ص: 246.
(2) ابن حجر: لسان الميزان، ج 3 ص: 6، 9.
(3) عن هؤلاء أنظر: ابن داود: المصدر السابق، ج 1 ص: 385. و الذهبي: ميزان الاعتدال، حققه محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، ج 1 ص: 604. و بالنسبة ليحيى بن أبي خالد فلم أعثر له على جرح و لا على تعديل في كتب رجال الشيعة و السنة.
(4) الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 7 ص: 25. و ابن حجر: لسان الميزان، ج 5 ص: 291.
(5) لم أعثر لهما على جرح و لا على تعديل في كتب رجال السنة و الشيعة.
(6) عبد الرحمن الزرعي: رجال الشيعة في الميزان، ص: 92.
(7) ابن داود الحلي: رجال ابن داود، ج 1 ص: 365.
(8) أنظر: اختيار معرفة الرجال، ج 2 ص: 105. و عبد الرحمن الزرعي: رجال الشيعة في الميزان، ص: 66 و ما بعدها.