و كذلك الظروف العلمية كانت نشطة قوية واسعة تمثلت أساسا في كثرة عدد القراء الذين تخصصوا في قراءة القرآن و حفظه، و فهمه و مدارسته. فقد كان عددهم كبيرا، بدليل أنه قُتل منهم في حادثة بئر معونة زمن النبي: 70 رجلا من القراء. و قُتل منهم في معركة اليمامة سنة 11 هجرية، نحو 500 رجل [1] .و هذا العد الكبير من القراء يخص الذين استشهدوا، و لا يخص الأحياء، و هم كلهم تكونوا زمن رسول الله -عليه الصلاة و السلام -، مما يدل على أن النبي كوّن عددا كبيرا من المختصين في القرآن: حفظا و فهما و تدريسا. و أشهر قراء الصحابة المختصين في القرآن الكريم: فهما و حفظا، قراءة و رسمًا، هم: زيد بن ثابت، و أُبي بن كعب، و عمر بن الخطاب، و علي بن أبي طالب، و عبد الله بن مسعود، و عثمان بن عفان، و أبو هريرة، و ابن عباس [2] .
فتلك الظروف المُستقرة، و تماسك مجتمع الصحابة، و كثرة هؤلاء القراء المختصين في القرآن الكريم كل ذلك يُبطل زعم الرواية الشيعية، و يجعل من المستحيل أن يتعرض القرآن لأي تحريف بالزيادة و لا بالنقصان، و لا بالإخفاء.
كما أن تلك الظروف لا تسمح أبدا لعلي بن أبي طالب أن ينفرد بالمصحف الأصلي دون باقي المسلمين عامة، و الصحابة خاصة. و تفصيل ذلك هو أنه من الثابت أن القرآن الكريم كان واحدا زمن النبي-صلى الله عليه و سلم-،و كانت المصاحف كثيرة نُسخت من النُسخ الأصلية التي دُوّنت بين يدي رسول الله. فلما تُوفي النبي-عليه الصلاة و السلام- استمر الأمر على ما كان عليه، و البناء الداخلي لمجتمع الصحابة كان مُتماسكا قويا مُستقرا مُتآخيا كما سبق أن بيناه.
فالمصحف الشريف كان واحدا و منتشرا بين كل المسلمين، لن يستطيع أحد تحريفه، و لا الانفراد به دون غيره من المسلمين. و لهذا وجدنا الصحابة عندما جمعوا القرآن زمن أبي بكر الصديق جعلوه في كتاب واحد و بقي عند خليفة المسلمين و لم يُعمموه على المسلمين و أقطارهم كما حدث زمن عثمان بن عفان، فهو-أي عثمان- عندما وحّد المصحف أرسل نسخا منه إلى الأقاليم، و أمر بحرق المصاحف الأخرى. فلماذا لم يفعل أبو بكر ما فعله عثمان؟ الأمر واضح هو أن القرآن الكريم زمن أبي بكر كان واحدا بين المسلمين-كما كان زمن عثمان- و لم يكن تعدد القراءات قد أحدث بينهم نزاعات و خلافات كما حدث أيام عثمان. فكان الذي قام به أبو بكر هو خطوة احترازية خوفا من أن يضيع بعض القرآن بذهاب حُفاظه و قُراؤه، و ليس خوفا من أن يتعرّض للتحريف، و لا كان قد تعرض لذلك، و لهذا لم يُعمم مصحفه، فلو كان حدث ذلك لعممه بالقوة. و حاشا لعلي بن أبي طالب، أو لأحد من الصحابة، أو لأحد من عامة المسلمين أن يفكر في القيام بتحريف كتاب الله. و حتى إذا افترضنا جدلا أن بعضهم حاول ذلك، فإنه لن
(1) ابن كثير: فضائل القرآن، ص: 32. و البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 1500، 1720.
(2) أنظر: السيد بن أحمد بن عبد الرحمن: المرجع السابق، ص: 14 و ما بعدها.