فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 181

السلام-،و إنما المصحف البكري هو الذي اعتمد عليها عندما قام زيد بن ثابت-رضي الله عنه- بجمعها و نسخها في مصحف واحد [1] . فعلي اعتمد على حفظه فقط، و هذا قد يُؤثر في عمله سلبا، و يجعله أقل قيمة و أهمية من المصحف البكري.

و المعطى الثاني مفاده هو أنه صح الخبر عن علي بن أبي طالب أنه لم يكن هو أقرأ الناس زمن الصحابة، و إنما زيد بن ثابت هو أقرؤهم [2] . و بما أنه رُوي أن عليا لم يكن يحفظ القرآن كله عندما توفي رسول الله [3] . فإن كل ذلك يجعل مصحفه عرضة للنقصان، و هذا خلاف المصحف البكري الذي تولى عملية جمعه زيد بن ثابت الذي هو أكبر كُتاب الوحي، و أقرأ الناس، مما يجعل عمله بعيدا عن النقص الذي قد يلحق بمصحف علي.

و الأخير- المعطى الثالث- هو أن مصحف علي تم بعمل فردي، و بطريقة سريعة، و في ظرف حرج، و غير مناسب. و هذا خلاف المصحف البكري الذي جُمع بمشورة من الصحابة، و بأمر من خليفة المسلمين، و بإجماع من الصحابة، و الأمة لا تجتمع على ضلالة. فلا شك إذن من أن المصحف البكري هو الأقوى و الأصح، و الأضمن و الأكمل من مصحف علي الذي لا يتمتع بتلك المزايا.

إننا ذكرنا هذا الاحتمال ليس لأنه صحيح، فحاشا للصحابة أن يُحرّفوا القرآن الكريم؛ و إنما ذكرناه فرضا و جدلا، لنبين أن زعم الرواية الشيعية بتعرّض القرآن للتحريف، كما أنه لم يصح إسنادا و لا متنا، شرعا و لا تاريخا، فإنه هو أيضا يمكن استخدامه كدليل ضدها.

و الشاهد التاسع مفاده أنه مما يُدحض زعم الرواية الشيعية هو أن الظروف السياسية و الاجتماعية و العلمية التي سادت المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام- لم تكن تسمح أبدا بتعرض القرآن الكريم للضياع، و لا للتحريف، و لا تجعل علي بن أبي طالب ينفرد بقرآن مُغاير للقرآن الذي بين يدي المسلمين. و تفصيل ذلك هو أنه من الثابت أن مجتمع الصحابة لم يتعرّض إلى انشقاق داخلي، و لا إلى حرب أهلية، و إنما ظل مُتآخيا مُتماسكا. و أما ما حدث من خلاف حول الخلافة بين كبار الصحابة من المهاجرين و الأنصار، فهو لم يكن خلاف تناقض، و إنما كان خلاف تنوّع وإثراء في وجهات النظر. كما أنه لم يكن خلافا حول: هل الخلافة بالشورى، أو بالتعيين، أو بالتوريث، أو أنها خاصة بشخص معين؟. و إنما كان خلافا حول: من يتولى الخلافة؟، لأنهم كانوا مُتفقين على أن الخلافة هي شورى بين المسلمين، من اختاره المسلمون فهو الخليفة. و الدليل القاطع على ذلك هو أنهم حلوا المشكل بسرعة، فبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه-، و شرعوا في التصدي للمرتدين، و البدء في الفتوحات الإسلامية.

(1) سبق توثيق ذلك في المبحث الأول.

(2) سبق ذكر الخبر كاملا، و وثقناه في المبحث الأول.

(3) الذهبي: السيّر، ج 2 ص: 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت