فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 181

بعثه إلى الشام، وأخبره أن معاوية قد نهد إلى العراق فيأهل الشام، فما الرأي؟ قال: فاضطرب أهل المسجد، هذا يقول: الرأي كذا، وهذا يقول: الرأي كذا، وكثر اللغط واللجب، فلم يفهم على من كلامهم شيئا، ولم يدر المصيب من المخطئ، فنزل عن المنبر، وهو يقول: (( إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهب بها ابن أكالة الأكباد - يعنى معاوية ) ) [1] . فأين علمه للغيب؟، إنه يرسل من يأتيه بالأخبار عن أهل الشام، و لا يفهم ما قاله أصحابه بسبب لغطهم و اختلافهم. فهل هذا سلوك من يعلم ما كان و ما سيكون؟!.

و المعطى الثالث مفاده أنه لما بلغ عليا خبر مقتل محمد بن أبي بكر، و الأشتر النخعي سنة 38 هجرية (( جزع عليهما جزعا شديدا، وتفجع ) ) [2] . فلو كان يعلم الغيب لما أرسلهما إلى مصر، و لسعى لإنقاذهما، و لما جزع و تفجع عليهما، لأن من يعلم الغيب الأمر مكشوف لديه، فيتجنبه أولا، ولا يُحدث له جزعا و لا قلقا و لا تفجعا ثانيا. و بما أنه صدر منه ما ذكرناه دلّ ذلك على أنه لم يكن يعلم الغيب.

و المعطى الرابع مفاده أن علي بن أبي طالب (( أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم أحوال قوم من جند الكوفة قد هموا باللحاق بالخوارج، وكانوا على خوف منه ) ). فلما عاد إليه الرجل قال له: (( أأمنوا فقطنوا، أم جبنوا فظعنوا-أي رحلوا-! فقال الرجل: (( بل ظعنوا يا أمير المؤمنين ) ). فقال علي: (( بعدا لهم كما بعدت ثمود! ... ) ) [3] . فهل من يرسل من يأتي له بالأخبار عن بعض أتباعه، و يسأل ماذا فعلوا يُقال فيه: إنه يعلم الغيب؟؟!!. و هل ذلك سلوك من يعلم الغيب؟!.

و المعطي الخامس مفاده أن عليا لما بلغه أن أحد عماله خان الأمانة في بعض ما ولاه عليه أرسل إليه يقول: (( أما بعد، فإن صلاح أبيك غرني منك، وظننت أنك تتبع هديه، وتسلك سبيله، فإذا أنت فيما رقى إليّ عنك لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقى لأخرتك عتادا، تعمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك، ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك و شسع نعلك خير منك. ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر، أو ينفذ به أمر، أو يعلى له قدر، أو يشرك في أمانة، أو يؤمن على جباية، فأقبل إلى حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله ) ) [4] . واضح من ذلك أنه قول من يُخطئ و يُصيب، و من لا يعلم الغيب و ليس هو بقول معصوم و لا من يعلم ما كان و ما سيكون. فعلي اعترف أنه أخطأ في حسابه، و ظن ظنا، و لم يكن متيقنا حتى من الأخبار التي وصلته عن عامله عندما قال: (( ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل ... ) )،و هي أخبار وصلته عن طريق أناس و لم يعلم بها علما لدنيا كما تزعم الرواية الشيعية.

(1) ابن أبي الحديد: المصدر السابق، ج 3 ص: 156.

(2) اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 2 ص: 204.

(3) الرضي العلوي: المصدر السابق، ص: 250 - 251.

(4) نفس المصدر، ص: 424.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت