فواضح من تلك المعطيات أن عليا ليس هو أعلم الصحابة , و لا هو أعلمهم بالحلال و الحرام، و لا هو أفصحهم، و لا هو أقرؤهم، و لا هو أفرضهم، و لا هو معصوم من الخطأ، و إنما هو من كبار علماء الصحابة برع في القضاء أكثر من غيره من العلوم، و تعلم على يد النبي كغيره من الصحابة. و لو كان يعلم الغيب كما زعمت الرواية الشيعية ما كان ذلك حاله.
و الشاهد الرابع يتعلق بموقف علي من واليه على مصر قيس بن سعد بن عبادة، فقد وصلته أخبار مكذوبة عنه، فعزله و ولى مكانه الأشتر النخعي، فمات في الطريق قبل أن يصل إلي مصر. و أما قيس فقد التحق بالمدينة، ثم عاد إلي علي و أخبره بما حدث له. فتبين لعلي أنه أخطأ في عزله و أنه كان يُعاني الكثير في مصر، ثم أصبح بعد ذلك يأخذ برأيه فيما يُشير به عليه، و جعله على مقدمة جيشه [1] . فلو كان علي يعلم الغيب و معصوم من الخطأ ما صدر كل ذلك منه، فهو لم يكن على علم بحقيقة ما جرى في مصر، و لا كان يعلم بأن الأشتر سيموت في الطريق، و لا أنه أخطأ في عزله لقيس بن سعد، و لو كان معصوما و يعلم الغيب ما اتخذه مستشارا له يأخذ بمشورته.
و الشاهد الخامس مفاده أن النتائج التي ترتبت عن سياسة علي بن أبي طالب في تعامله مع جيشه و خصومه، هي شاهد قوي دامغ على أنه ما كان يعلم الغيب، و لا كان معصوما من الخطأ. فلا هو تحكم في جيشه تحكما كاملا. و لا هو اقتص من المجرمين الذي قتلوا الخليفة الشهيد عثمان بن عفان مع اعترافه بأنه قتل مظلوما [2] . و لا هو وضع حدا للسبئية التي ادعت فيه الألوهية. و لا هو تمكن من منع جيشه من الانشقاق عليه. و لا هو نجى نفسه و حماها من الذي قتله. و لا هو جنب الأمة الويلات و الخسائر التي دمرتها و عصفت بها. و لا هو قطع الطريق على خُصومه من توظيف نقاط ضعف جيشه لصالحهم , و لا هو انتصر في النهاية على جيش الشام. و بصفة عامة فإن سياسته انتهت به في النهاية إلى طريق مسدود، و انتهت بخصومه إلى طريق مفتوح. فلو كان يعلم الغيب و معصوما من الخطأ ما حدث له كل ذلك و غيره كثير.
و الشاهد السادس يتعلق بمتن الشاهد الثالث من الرواية الشيعية الذي نص على أن جعفر الصادق و الأئمة الآخرين يعلمون ما كان و ما سيكون و أنهم أعلم من موسى و الخضر، و أنهم ورثوا ذلك عن النبي-عليه الصلاة و السلام-. و هو متن يحمل دليل بطلانه من داخله. من ذلك إنه ذكر أن جعفر قال لأصحابه: (( علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدا فقلنا: ليس علينا عين ) ). و هذا تناقض من جهة يقول أنه يعلم الغيب، و من جهة أخرى يخاف من أن يراه أحد، و يطلب من أصحابه التأكد!، فأين العلم بالغيب؟! فلو كان يعلمه ما طلب ذلك من أصحابه. و
(1) الذهبي: السير، ج 3 ص: 109 و ما بعدها. و هذا الخبر متواتر ذكرته مصادر سنية و شيعية كثيرة.
(2) سبق توثيق ذلك في المبحث الرابع من الفصل الأول.