الجمل و ما نتج عنها قال: (( ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ) ). و في رواية أنه قال لابنه الحسن: (( يا حسن وددت أني مت منذ عشرين سنة ) ) [1] . فلو كان علي بن أبي طالب يعلم الغيب و معصوم من الخطأ، ما قال ذلك و لا وقع فيه.
و الشاهد الثاني مفاده أن الصحابي قيس بن سعد بن عبادة قال لعلي: (( أرأيت مسيرك هذا عهد عهده إليك رسول الله- صلى الله عليه و سلم- أم رأى رأيته؟ ... قال: ما عهد إلي رسول الله- صلى الله عليه و سلم- فيه شيئا، ولكن رأى رأيته ) ) [2] . و في رواية (( ما عهد إلى رسول الله -صلى الله عليه و سلم- شيئا خاصة دون الناس، إلا شيء سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي ... ) ) [3] . فواضح من ذلك أن عليا لم يقل لأصحابه أنه يعلم الغيب، و لا أنه معصوم، و لا كانوا هم يعتقدون فيه ذلك، و إنما كان يجتهد برأيه كغيره من الناس، و يتعلم من النبي-عليه الصلاة و السلام- كما يتعلم منه سائر الصحابة.
و الشاهد الثالث يتضمن معطيات على محدودية علم علي بن أبي طالب، منها أنه صح الحديث أن النبي-عليه الصلاة و السلام- قال: (( (( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، و أقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، و أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) ) [4] . و نفس الحديث رواه أحمد و ابن حبان من دون ذكر لعلي بن أبي طالب [5] .
و منها أن عليا روى خبر كيفية توحيد المصحف زمن الخليفة عثمان بن عفان، فكان مما ورد فيه: (( قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت، قال: فقيل: أي الناس أفصح، وأي الناس أقرأ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما ويمل الآخر ففعلا، وجمع الناس على مصحف ... ) ) [6] .
و منها روى البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قال: (( كنت رجلا مذاء فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل النبي- صلى الله عليه وسلم- فسأله فقال: فيه الوضوء ) ) [7] .
(1) الروايتان حسنهما الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 9 ص: 318.
(2) الخبر صحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تعليقه علة مسند احمد ين حنبل. ج ج 1 ص: 148. و صححه الضياء في المختارة، ج 1 ص: 307.
(3) صحح إسناده شعيب الأرناؤوط، المسند، ج 1 ص: 119.
(4) الألباني: صحيح ابن ماجة، ج 9 ص: 34، رقم الحديث: 151.
(5) صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لأحاديث صحيح ابن حبان، ج 16 ص: 85، و أحاديث مسند أحمد بن حنبل، ج 3 ص:281.
(6) الخبر صححه ابن حجر و السيوطي. فتح الباري، ط2، دار المعرفة، بيروت، ج 9 ص: 17. و الإتقان في علوم القرآن، ط1، دار الفكر، بيروت، 1996، ج 1 ص: 165.
(7) الصحيح، ج 1 ص: 38.