فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 181

و فيما يخص الحديث الثاني فهو بذلك اللفظ لم أعثر له على أثر في المصادر السنية على كثرتها و تنوّعها، فهو بذلك اللفظ لا أصل له إسنادا و لا متنا. و واضح منه أنه حديث مركب من مجموعة أحاديث، من ذلك أن قسما منه: (( إن الأمة ستغدر بك من بعدي ) )، رُوي منفردا من عدة طرق كلها غير صحيحة و لا تنجبر [1] . و قوله: (( و انك مني بمنزلة هارون من موسى وأن الأمة من بعدي كهارون و من اتبعه و السامري ومن اتبعه ) ). واضح أن قسما منه مأخوذ من حديث صحيح، و مفاده أن (( رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرج إلى تبوك واستخلف عليا، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟، قال:"ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي") ) [2] . لكن الفرق واضح بين الحديثين، الأول لا إسناد له، و لا يصح متنا، و الثاني صحيح سندا و متنا.

و أما لماذا لا يصح-ذلك الحديث- متنا؟، فلأنه أولا ليس صحيحا أن النبي-عليه الصلاة و السلام- أوصي لعلي بالإمامة من بعده، و قد سبق أن بينا بالأدلة الصحيحة أنه توفي و لم يوص لأحد بالخلافة من بعده. و ثانيا ليس صحيحا أن الأمة غدرت بعلي، فهذا لم يحدث، و ذلك أنه عندما اُستشهد الخليفة عثمان بن عفان، انقسمت الأمة علي نفسها إلى ثلاث طوائف: واحدة كانت مع علي، و الثانية خالفته و نازعته، و الثالثة اعتزلت الطائفتين المتنازعتين. و الثانية لم تغدر به، و إنما خالفته الرأي و الاجتهاد و حاربته و الثالثة اعتزلته و لم تغدر به، و أما التي غدرت به فهي فئة من الطائفة التي كانت معه. و عليه فلا يصح القول بأن الأمة غدرت به، و هذا شاهد قوي على عدم صحة متن ذلك الحديث.

و ثالثا لا يصح أبدا أن يكون علي من النبي بمنزلة هارون من موسى، لأن موسى لم يكن خاتم الأنبياء، و جاء من بعده أنبياء كثيرون، منهم أخوه هارون؛ لكن النبي محمد هو خاتم الأنبياء، و علي لم يكن نبيا، و هذا يستلزم أن عليا لا يمكن أن يكون من النبي بمنزلة هارون من موسى في النبوة و المكانة. و هذا الذي أغفله هذا الحديث، لكن الحديث الصحيح بيّن ذلك بوضوح عندما قال: (( إلا أنه ليس نبي بعدي ) ). و معنى ذلك أن موضع التشبيه لا يتعلق بالنبوة و المكانة، و إنما يتعلق بعلاقة النسب و القرابة الموجودة بينهما. فالرسول-عليه الصلاة و السلام- ترك عليا ليتولى شؤون أهله و أهل النبي، لذا قال له: اخلفني في أهلي و أهلك [3] ، فلما جاءه يشتكي طيّب خاطره بذلك التشبيه الجزئي. فالأمر لا علاقة له بالإمامة و الوصية أصلا، و هذه التشبيه استخدمه النبي-عليه الصلاة و السلام-مع صحابة آخرين كما في قضية أسرى بدر، فشبّه أبا بكر بإبراهيم -عليه السلام- عمر بنوح-عليه السلام [4] -، فهذا تشبيه جزئي يتعلق بخصلة من الخصال، و لا علاقة له بالنبوة و المكانة.

(1) الألباني: الضعيفة، ج 13 ص: 166، رقم: 4905.

(2) البخاري: المصدر السابق، ج 6 ص: 3.

(3) سبق توثيق ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل.

(4) ابن كثير: تفسير ابن كثير، ج 4 ص: 88 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت