و المعطى الثالث مفاده أنه ليس صحيحا أن عليا هو أعلم الصحابة، و إنما هو من كبار علماء الصحابة، و كان مُبرزا في القضاء، و غيره برز عليه في علوم أخرى. و الدليل على ذلك أنه صح الحديث أن النبي-عليه الصلاة و السلام- قال: (( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، و أقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، و أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) ) [1] . و نفس الحديث رواه أحمد و ابن حبان من دون ذكر لعلي بن أبي طالب [2] .
و المُعطي الأخير-الرابع- هو أن الأولى بالخلافة في دين الإسلام، ليس الأكبر و لا الأصغر، و لا الأفضل و لا الأعلم، و لا الأجمل و لا الأزهد، و لا الأقدم و لا الأحدث، و لا الأقرب من النبي نسبا، و إنما هو من أختاره المسلمون بالشورى و الرضا، و الاختيار الحر، فهو خليفتهم. لأن الإسلام شرّع للخلافة الشورية، و لم يُشرع للإمامة الشيعية، و لا للوراثية.
و من كل ذلك يتبين جليا أن متن الرواية الشيعة الأولى-المتعلقة بحادثة السقيفة-، لم يصح فيما أنفرد به من أخبار عن الرواية السنية الصحيحة، و أن المعطيات النقدية التي ذكرناها هي أدلة دامغة على عدم صحتها، و تلاعب المحرفين بها حسب أهوائهم و مصالحهم. و عليه فهي رواية لم تصح إسنادا و لا متنا.
و أما الشاهد الخامس- في نقد متون الرواية الشيعية- فيتعلق بنقد متن الرواية الثانية- هي الشاهد الثاني من رواية الطبرسي- و مفاده أن هذه الراوية لا تصح متنا كالأولى، بدليل أنها تضمنت معطيات شرعية و تاريخية غير صحيحة، مما يدل على أنها رواية تلاعب بها محرفو التاريخ الذين يختلقون النصوص و يركبونها حسب أهوائهم و مصالحهم.
من ذلك أنها زعمت أن 18 صحابيا أنكروا بيعة أبي بكر الصديق و رفضوها، و كانوا يُؤمنون بأن عليا هو الوصي و الإمام الشرعي. و هذا زعم باطل، لأنه سبق أن بينا بالخبر الصحيح أن كل الصحابة بايعوا أبا بكر في البيعة العامة، منهم: علي و الزبير- رضي الله عنهما-،و أن حكاية الوصية بالإمامة هي فكرة مُختلقة لا مكان لها في دين الإسلام.
و المثال الثاني مفاده أن تلك الرواية ذكرت ستة من المهاجرين الذين لم يُبايعوا أبا بكر الصديق، و كانوا يُؤمنون بإمامة علي بن أبي طالب -حسب زعمها-، منهم: خالد بن سعيد بن العاص، و سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، و عمار بن
(1) الألباني: صحيح ابن ماجة، ج 9 ص: 34، رقم الحديث: 151.
(2) صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لأحاديث صحيح ابن حبان، ج 16 ص: 85، و أحاديث مسند أحمد بن حنبل، ج 3 ص:281.