إسنادا و متنا، و من ثم يمكن الرد بهما على الراوية الشيعية الأولى فيما ذكرته عن موقف سعد بن عبادة.
و المثال الرابع مفاده أن تلك الرواية-الشيعية الأولى- ذكرت أن عليا رفض بيعة أبي بكر و لم يُبايعه، و انه هو الإمام الوصي و الإمام الشرعي. و هذا باطل جملة و تفصيلا، و قد سبق أن توسعنا في ذلك و أثبتنا بالأدلة الشرعية و التاريخية، أن حكاية الوصية و الإمامة الشيعية لا وجود لها في دين الإسلام، و أن عليا لم يقل أنه هو الوصي و الإمام، و أنه بايع أبا بكر طواعية ضمن البيعة العامة. و هذا أمر سبق بيانه و توثيقه فلا نعيد ذلك هنا.
و المثال الأخير-الخامس- مفاده أن تلك الرواية ذكرت أن عليا عندما احتج بأنه أولى بالخلافة كان مما قاله: (( أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من الرسول وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول الله- صلى الله عليه واله- فأعطوكم المقادة وسلموا لكم الإمارة، و أنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، أنا أولى برسول الله حيا و ميتا، و أنا وصيه ووزيره ومستودع سره وعلمه، و أنا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم أول من آمن به وصدقه، و أحسنكم بلاءا في جهاد المشركين و أعرفكم بالكتاب والسنة وأفقهكم في الدين ... ) ). و هذا كلام لا يصح، بدليل المعطيات الآتية:
أولها أنه لا يُوجد في الرواية السنية الصحيحة أن الصحابة -كأبي بكر و عمر و أبي عبيدةو من كان معهم- احتجوا بقرابتهم من النبي-عليه الصلاة و السلام- كما أدعت الرواية الشيعية، و إنما احتجوا أساسا بسابقة المهاجرين إلى الإسلام من الأنصار، و حتى قال زيد بن ثابت الأنصاري مؤيدا لهم: (( إن رسول الله-صلى الله عليه و سلم- كان من المهاجرين و إن الإمام يكون من المهاجرين، و نحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله -صلى الله عليه و سلم- ) ).
و المُعطى الثاني هو أن الصحيح في أول من أسلم من المسلمين، هو خديجة أم المؤمنين، ثم ورقة بن نوفل [1] ، ثم أن الأصح أن أبا بكر هو أول من أسلم بعد هؤلاء، و قد أسلم علي و زيد بن حارثة في ظرف واحد لأنهما كانا يعيشان مع النبي في بيته، و كان علي صغيرا [2] . و لا تصح المقارنة بين إسلام الكبير، و إسلام الصغير، لأن الصغير لا يقوم إسلامه على الاختيار و البحث، و الاقتناع و المعاناة، لأنه لم يصل إلى هذه المرحلة، و عمره لا يسمح له بذلك، و إنما يقوم على التقليد، و هذا خلاف إسلام أبي بكر و عمر الذي تمّ عن وعي و اقتناع و اختيار، و عن تحمل لما يترتب عن ذلك.
(1) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 7. و مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 97.
(2) أنظر: الألباني: صحيح السيرة النبوية، ص: 118 و ما بعدها.