فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 181

و المثال الثالث هو أنها ذكرت أن سعد بن عبادة رفض بيعة أبي بكر الصديق مطلقا. و هذا الخبر لم يثبت، و الصحيح خلاف ذلك بدليل المعطيات الآتية:

أولها مفاده هو أنه صحت الرواية أنه لما حضر أبو بكر و عمر -رضي الله عنهما- إلى سقيفة بني ساعدة، كان مما قاله أبو بكر لسعد: (( لقد علمتَ يا سعد أن رسول الله - صلى الله عليه و سلم- قال و أنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر. فقال سعد: صدقت َ نحن الوزراء و أنتم الأمراء [1] . فهذا شاهد دامغ على أن سعد بن عبادة أقر بما ذكره أبو بكر، و صدّقه فيما قاله له، و اعترف بأن الأمراء من قريش و الوزراء من الأنصار. و عليه فلا يصح شرعا و لا عقلا أن يعترف سعد بذلك ثم لا يُبايع أبا بكر بالخلافة!!. و هذا يعني أن سعدا تراجع عن موقفه، و أخذ بالحديث النبوي، و بايع أبا بكر الصديق.

و المعطى الثاني يتمثل فيما ذكرته الرواية السنية الصحيحة-التي سبق ذكرها- أن الخليفة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- عندما روى ما جرى يوم السقيفة ختم كلامه بقوله: (( فبايعنا أبا بكر الصديق جميعا، و رضينا به ) )، و في رواية أخرى أنه قال: (( فبايعنا الجميع أبا بكر عن رضا ) ) [2] . فهذه الرواية نصت صراحة على أن جميع الصحابة الذين كانوا في السقيفة بايعوا أبا بكر عن رضا من دون استثناء. قلم تقل مثلا: بايع الناس، أو معظمهم، أو أكثرهم، أو كلهم إلا واحد. و عليه فإن سعد بن عبادة كان من بين المبايعين لأبي بكر من جهة، و هذه الرواية تتفق مع الرواية الأولى، و كل منهما يتقوى بالأخر من جهة أخرى.

و المُعطى الثالث مفاده هو أنه من المُستبعد جدا جدا، بل و لا يصح أن صحابيا جليلا كسعد بن عبادة- رضي الله عنه- يخرج عن إجماع الصحابة في بيعتهم لأبي بكر الصديق، و هو أفضل الصحابة و أولاهم بالخلافة، و هو {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فإن زَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} -سورة التوبة:40 - . و عليه فإن سعدا قد بايع أبا بكر، لأنه لا يُوجد أي مبرر شرعي و لا عقلي يجعله يمتنع من بيعته، و يُؤيد ذلك أيضا المعطيان السابقان.

و المُعطى الأخير- الرابع- يتمثل في روايتين ذكرهما الطبري في تاريخه من رواية سيف بن عمر التميمي، و قد نصتا صراحة على أن سعد بن عبادة بايع أبا بكر الصديق [3] - رضي الله عنهما-. و مع أن الروايتين ضعيفتين من جهة الإسناد لأنهما من رواية سيف بن عمر، و هو قد ضعّفه نُقاد الحديث ( ... التوثيق ... ) ) . فإنهما -مع ذلك- إسنادهما أحسن حالا من الرواية الشيعة الأولى االمنقطعة الإسناد. كما أن متنهما صحيح موافق للشواهد الصحيحة السابقة، فهما إذن يتقويان بها

(1) أحمد بن حنبل: المسند، ج 1 ص: 5. و ابن كثير: البداية و النهاية، ج 5 ص: 247، 260. و بن حجر: فتح الباري، ج 2 ص: 31. و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص: 71. و الألباني: الصحيحة، ج 3 ص: 146 ,

(2) أحمد بن حنبل: المسند، مسند العشرة، رقم الحديث: 368. و ابن حبان: الصحيح، ج 2 ص: 149، و ج 21 ص: 145.

(3) الطبري: المصدر السابق، ج 2 ص: 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت